وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

رياضة العقول

الاستغفار والثالوث الإسلامي والصلاة - مدينة المهدية - ٢٣ يونيو ١٩٧٢

رياضة العقول

القرآن كله ليحقق (لا إله إلا الله).. ودي فيها رياضة العقول بأنه الحقائق بين، بين، كأنه.. الحقائق بين، بين.. ورياضة العقول هنا أنك أنت ما لازم تفتكر أنه الحق كله عندك.. أنت عندك حق معاه باطل.. حقك تشوف هل الحق في باطلك أكثر؟ ولا الباطل في حقك أكثر؟ فإذا كان يغلب على رأيك أنه باطل، يبقى تصحح.. وإذا يغلب عليه الحق يبقى في الحالة دي تنكر.. ريثما تشوف النقطة دي يجب أن تؤمن.
ودي أفتكر رياضة العقول الكبيرة.. العقول الكبيرة تعرف أنه الحق ما كله عندها، وأنه ما وحده هو اللي عنده الحق، والناس الآخرين خلاص بقوا على الباطل والظلام.. بعدين ينتظر.. بالأدب ده ينكشف له.. وده المعنى اللي قلنا به أنه العقول الكبيرة تؤمن ريثما ينكشف لها الحق.. لكن الإنسان اللي مما لأول وهلة يسمع الرأي الجديد ينكره، ده ما بيعرف قدر نفسه.
ويبدو لي أنه (من عرف نفسه فقد عرف ربه) اللي هي الحديث.. ده معناه من عرف قدر نفسه، عرف ربه.. قدر نفسه دائمًا يسوقه للتواضع والجهل.. من عرف أنه جاهل، عرف العالم.. لكن الـ بيدعي العلم من الأول، ما بيعرف أي شيء، لأنه جهل قدر نفسه.. ولذلك الإنكار ما يجي منه خير.. ده برضه يسوقنا إلى أنه، برضه إيمان العجائز ما هو سمح.. المؤمن لا ينكر ولا يكون إيمانه إيمان العاجز.. لكن إيمانه إيمان الإنسان المتواضع، العارف أنه الحقائق أكبر منه، وأنه من الخطأ أن يجعل نفسه حكم على الحقائق، فيرفض ما لا يعقل من أول مرة.. أهو مثلًا الماركسيين لمّاً ما عرفوا الله، قالوا الله ما في، بكل بساطة.. لمان عجزوا عن معرفته، افتكروا العجز ده ذاته فضيلة، فبنوا عليه الإنكار.. فالقرآن كله هو في الحقيقة دعوة إلى البرزخية دي.
-