وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الزكاة والانفاق بين الفروع والأصول

الأخلاق بين الأصول والفروع - ود مدني – الإثنين ١٤ فبراير ١٩٧٢

الزكاة والانفاق بين الفروع والأصول

مثلًا، وفي أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم، دي أخلاقية كانت، فوق التشريع، فوق الزكاة، برضك أنت بتتصدق على السائل والمحروم بحق أنت اللي جاعله معلوم في مالك، مش الشريعة.. لأنه أنت ما بتُمدح في المستوى ده على الشريعة.. الشريعة كل زول عنده مال بلغ النصاب، فيه حق معلوم للسائل والمحروم، اللي هو الأبواب الثمانية يعني.. وده سميت صدقة، وده رسمية، وأنت ما بتشكر عليها، لأنها حق للفقير في مالك، يؤخذ منك.
لكن الحق المعلوم، معلوم عندك أنت.. يعني أنت جاعل في مالك حق، تعطيه له للسائل والمحروم، فوق الزكاة.. ومن هنا جات عبارة نبينا (في المال حق غير الزكاة).
الأخلاقية دي كانت مُشجّعة، ومُنمّية، ومُرغّب فيها، ومرضية.. تجد معاني أعلى منها، اللي هي زي ما قال حسن، هناك سماها "أموالهم" تنزل على ضعفهم، لأنهم بيعتبروا أنه المال مالهم، لكن الحقيقة أنه المال مال الله.. بعدين تجي عبارة: {وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} أو {وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ}.. كأنه مو مالكم.
تجي أعلى من كده بقى، المعاني اللي بتتسامى {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ}.. والعفو على مستوى ما فسّره النبي، ما زاد عن الحاجة الحاضرة، ده شرط أساسي.. هو العفو ممكن يكون ما زاد عن حاجة الشهر، حسب مستويات المخاطب.. يعني العفو هو ما لو أنفقته ما بتضرك.. ده القاعدة للفهم ده، العفو ما لو أنفقته ما بتنضر به.. بمعنى أنه زاد عن حاجتك المباشرة، وده سموه النصاب، أصله الحكمة في النصاب يا هو ده.. يعني مالك لمّاً يبلغ النصاب، فيه نصف العشر.. حصادك مثلًا فيه نصف العشر، لمّاً يبلغ النصاب، أُعتبر ما يزيد عن النصاب ما بيضرك، ده العفو.. ده معنى من معاني العفو في المستوى ده.. أو فيه العشر، أو فيه ربع العشر، حسب الأعيان.. فده مستوى من مستويات العفو ليك أنت صاحب الشريعة العامة، وبعدين يتسامى العفو ده، قد تقول أنت الحاجة اللي بتزيد عن قوت الشهر، دي ما بتضرني، أنا الشهر كفاية، أنا عايش للمدة دي كلها؟ وإن عشت بلقى..
دي تراها أنت عفو، واحد أقوى منك يقول الـ بيزيد عن ١٥ يوم ده عفو، ما بيضرني لو أنفقته.. واحد أقوى منكم يقول السبعة يوم.. واحد أقوى، لغاية ما يجي لقمّة العفو عند النبي.. ما زاد عن الحاجة الحاضرة، ده سماهو عفو.. {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} في المستوى ده، هو أن تنفق كل ما زاد عن حاجتك الحاضرة، بشرط، ذاته الفهم ده، بينبني على أنك أنت تفهم، أنه ما زاد عن الحاجة الحاضرة ما بتاعك.. وإذاً لمّاً تعطيه بتعطيه لصاحبه، ما هو هيلك، جاء بطريقك.
وإذاً أنت بدل تكون مستطيل ومستعلي، وأنك أنت أديت، أنت تكون شاكر وشاعر بالمنة عليك من الله، أنه استعملك استعمال صالح، وجاب رزق الآخرين عن طريقك.. وهو جابه ليمتحنك بتعمل شنو فيه، ووفقك أن تعمل الخير به، وديته لصاحبه، وكنت وسيلة خير، وكنت موفق في أنك المسألة دي ما أثرت في قلبك، أنك أنت محسن للناس الآخرين.
ودي بتُعرف من نقطة أساسية في المعرفة، أنه رزق زول ما بيأكله زول.. هو لو كان بتاعك ما بتديه إياهو، أصله، ما يمكن.. ليه؟ عندهم أنه الرزق والأجل شي واحد.. وهي دي الحقيقة محاولة العباد أن يستيقنوا النقطة دي.. الرزق ده زي الأجل، لكن نحن لجهلنا نجري من الأجل، ونجري وراء الرزق.. ولا بنفوت الأجل، ولا بنلحق الرزق المرزقنا.. كل محاولة العبادة يا ها دي، ولذلك نحن كنا في التوحيد، في (لا إله إلا الله) قلنا كل مجال نقص (لا إله إلا الله) جاي من الرزق.

فهنا لمّاً عرفوا هم النقطة دي، أصبح أنت لا يمكن أن تعطي إنسان حاجة يأكلها، هي رزقك أنت.. فإذا كان أصلها رزقه، وأنت رزقك في، على إيه أنت بتشعر بالمنّة عليه.. آدي جات معرفتهم.. إذاً الأخلاقيات في الحقيقة درجات، ما هو أعلى منها، ينسخ ما هو دونها.. لكنها شريعة فردية.. دي نقطة أساسية بقى.. الأخلاقيات شريعة فردية.
ونحن لمّاً نتكلم عن الاشتراكية ونقول آية الاشتراكية {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} مش معنى الكلام ده أنه الآية دي كلها بتكون آية تشريع.. المدخل على الاشتراكية من الآية دي، عدم السماح للملكية لوسيلة الإنتاج أن تكون لواحد أو جماعة.. ده المدخل.. والقمّة بتاعة {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} اللي اتكلمنا عنها هسع، دائمًا راح تظل في مجال الأخلاق.
المسألة دي تمشي لغاية لمّاً تجي الشيوعية، اللي كأنك ما في مال بتديه لزول غيرك، كأنه أنا حاجتي لاقيها من النظام ما بأخذ منك أنت، ما في ضرورة آخذ منك أنت.. أي حاجة أنا عايزها النظام بيديني إياها في النظام الشيوعي، يبقى ما في حاجة بتديها أنت.. تخرج من المال كليةً، وجاب لنا عبد الرحيم {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}.. نحن في الأول بنحب المال، وبنحب الأشياء الزي دي، في الآخر ما بنحب المال إلا لأننا بنحب أنفسنا.. تنفق من نفسك، من البدايات عندهم، احتمل الأذى، ده إنفاق من نفسك.. مر على اللغو مر الكرام.. لكنك كان ممن نبّذوك نبّذت، زي ما تقول يعني تكيل الصاع صاعين، اهو ده هلكة.. لكن أن تتسامى عن الجرح الـ بيجيك في نفسك، وفي عرضك، وفي..، وأنت مترفّع، وناظر لى الله في الأمر ده، فأنت أنفقت من نفسك.
أن تكون متواضع.. كن متواضع.. التواضع ده، إنفاق من نفسك.. كن مؤدب.. الأدب ده إنفاق من نفسك.. والصوفية ركزوا على الأدب، لأنه الأدب أصله تقديم غيرك عليك.. وسوء الأدب، تقديمك على غيرك.. أهي دي الصورة.
الأدب كان محمود في الدين عشان ده.. لمّاً تتأدب مع آخر، قدمته على نفسك.. لمّاً تتكبر، قدمت نفسك على الآخرين.. وقدمت نفسك على الآخرين، لأنك بتراها كبيرة، وبترى الناس الآخرين صغار، وهم برضهم بيروك بالصورة دي.. فيبقى ما في خير في الموضوع.. فيبقى الإنفاق من النفس يا هو ده {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}.
بعدين هناك {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ}.. {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}.. مما أتاك الله تراها دا نفسك دي.. وده أساس في الإنفاق.. إنفاق المال ما حاجة، بالمرة!! لكن حاول أن تكون مؤدّب، وأن تكون متواضع، وأن تكون منكسر، أن تحمَل الأذى.. احمل الأذى.. دا الإنفاق الحقيقي الأصله ما ينتهي بقى.. بالمرة ما ينتهي الإنفاق ده.. ولا في البرزخ، ولا في الآخرة.. وده العبودية.
العبودية يا ها دي.. أن تكون منكسر لـ الله.. وربنا يقول (أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي).. دي دائمًا راح تظل.. (أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي).. هدا السير السرمدي لي الله.. ده الإنفاق اللي ما بينتهي بالمرة.. ودي الأخلاقية اللي ما يكون أحسن منها، إلا دور أعلى منها، بس التنافس فيها هي ذاتها.
ـ