وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

القلب ووظيفته

ندوة مفتوحة - منزل علي لطفي - أربجي - ٢٥ نوفمبر ١٩٧١

القلب ووظيفته

السيد له الحق في التعقيب الأخير في ما يقوم في باله، ما دام المسألة، الحيوان عنده قلب والإنسان عنده قلب، والحيوان ما هو مخاطَب والإنسان مخاطَب، إذن في معنى زايد في الإنسان هو المخاطَب.. يبدو كده الموضوع، وبطبيعة الحال ده حق.
المعنى المخاطَب في الإنسان وما هو عند الحيوان هو العقل.. والعقل هو القوة اللي بيها ندرك الحق من الباطل، والحرام من الحلال، والخالق من المخلوق، والكون من المكون.. ومن هنا جاء تكليفنا خطاب للعقول، أرسل إلينا الرسل ليكلمونا، ليروّضوا عقولنا لتعبد ربها.. {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.. والعبادة جو بيها المرسلين.. دي إمتاز بيها الإنسان عن الحيوان، وأصبح هو الإنسان الخليفة المكلف.
لكن ده ما بيعني أنّ القلب اللي هو المضغة أو اللحمة الصنوبرية اللي بتضخ الدم في الجسد، ما عندها عمل تعمله، بل الحقيقة الخطاب كله موجه لها هي في الحقيقة، في المكان الأول.
وحديث للنبي يقول: "إن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائره".
والقرآن برضو بالإضافة إلى النصوص اللي قيلت، قال: {كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}
فالفرق بين قلب الحيوان وقلب الإنسان، أنه ربنا نفخ الروح المميّز في الإنسان، فأصبح به مكلف.. وده العقل، العقل سبيله أن يرفع الرّان عن القلب.. {كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} يعني غطى، بعدين يجي (القلب بيت الرّب).. والقلب بيت الرب مش معناها في المسافة والمساحة، (ما وسعني أرضي ولا سمائي) دي بتشوفها إنت مساحة، (ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن) مش معناها أنه وسع الله مساحةً، وإنما وسع الله معرفةً.
والله يُعرف في مستوى أسمائه وصفاته وأفعاله وفي ذاته.. مرتبة الأسماء والصفات والأفعال يميّزها العقل، لكن الذات لا يستطيع العقل أن يميزها وإنما تشاهدها القلوب.. ربنا مُشاهد في ذاته بالقلوب، معروف في أسمائه وصفاته وأفعاله بالعقول.. والعقول بالنسبة للقلوب زي عكّاز الأعمى بالنسبة للأعمى.. العقل يمشي قدّام القلب وهو خادمه، الغرض منه أن يرجعنا للفطرة السليمة اللي انمسخت بالعادات والأوضاع اللي مارسناها في حياتنا {كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ}.. والسير بالعقول هو رفع الران من بيننا وبين القلوب حتى نشاهد الله فينا.. ولذلك نبينا قال: "من عرف نفسه فقد عرف ربه".. والصوفية برضو قالوا: "سيرك منك وصلوك إليك".
فإذًا القلوب، بالمعنى اللحمة الموجودة في الصدور هي أيضا المعنية.. زي ما مثلًا العقول بتعمل في الدماغ.. يعني الدماغ المادي الموجود في جمجمة الإنسان، هو الجهاز اللي بيعمل فيه العقل بإدراكاته.. كذلك اللحمة الصنوبرية دي اللي بتضخ الحياة، هي العضو اللي بتعمل فيه الحياة نفسها.
ومعنى أن يسجد القلب وإلى الأبد، معناه العبودية.. لأنه العقول مخاطبة بالعبادة، والقلوب مخاطبة بالعبودية.. {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} ده في المكان الأول، {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ}، أو عنده عقل.. درجتين من المعرفة بالله، درجة العقول ودرجة القلوب.. درجة القلوب تتم بها العبودية.
فإذا كان الإنسان في الصلاة وفي العبادة بيسجد وبيرفع رأسه، العبادة دي المقصود منها أن توصله للعبودية.. فإذا وصل للعبودية واستسلم ورضى وانقاد، أصبح لا يستطيع تاني أن يرفع رأسه، بمعنى أنه ما بعارض ولا بنازع، ولا عنده اعتراض على الله.
أهي دي العبودية، حتى يقولوا ليك العبودية هي (أن تكون بين يدي الله كالميّت بين يدي الغاسل)، ده إذا اقتنعت العقول باليقين.. إذا لامس اليقين القلوب، سجدت لله سجود لا معارضة فيه ولا ترفع رأسها أبدًا، ودي سميت العبودية.
دا المعنى المقصود هنا.
-