السؤالين الفرعيين اتداولوا الإخوان نقاشهم، وفرصة التسجيل كانت لعبد اللطيف عمر، وسمعتو الإجابتين على السؤال الأولاني: هل البتسلك وتترقي هي النفس أم هو العقل؟ والسؤال الفرعي الثاني: هل التوحيد في التثليث وإلا في الوحدة؟ أجاب عليهن عبد اللطيف والإجابات كانت طيبة جدًا.
لمّا نحن نقول النفس والعقل، سبق أنه قلنا عنهن قبل كدة: هن درجات من العقل.. النفس هي الطرف الغليظ من العقل.. ولما نقول العقل، نقصد الطرف اللطيف، الدراك، الذكاء، مثلًا.. أو ممكن الإنسان يقول: الدرجات دي تتفاوت بين الخيال في الطرف اللطيف، والذاكرة في الطرف الكثيف.. والذاكرة متنقلة من الحياة الجسدية، من قبل ما تدخل المادة العضوية.. الخيال نوع من التخيل والإدراك والذكاء اللي بتصور الأشياء المقبلة.. والحقيقة الفكر لقاح بين الخيال والذاكرة.. أو يمكنك أن تقول: الفكر لقاح بين الروح والنفس، أو بين الطرف اللطيف من العقل والطرف الكثيف منه.. وعملية الفكر عملية حركة بين الطرفين اللي بنسميهُ البندول، بندول الساعة مثلًا.
وده ما قلنا عنه: أنه إذا كان ما حصل الانفتاق بعد الارتتاق، بعد ما كانت النفس واحدة، إذا ما انفتقت ما بيكون في فكر.. ما بيكون في تخيل للأشياء، ما بيكون في سلوك.. المحاسبة اللي قبيلك لازم يكون في متكلم وسامع للمتكلم.. المتكلم هنا الشهوات المرخصة والمكبوتة في النفس، والسامع لها العقل.. بعدين العقل معلم للنفس بمعنى ما يعرض خواطرها وحديثها على ميزان العلم، في مستوى الشريعة وفي مستوى الحقيقة، وبالصورة دي يختط لها الطريق.. والطريق المقصود دائمًا للتسليك هو الخط المستقيم بين مرجحة البندول من الطرف للطرف.. وده ما سمي بالتوحيد، وما سمي بالاستقامة أو الطريق المستقيم: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} اللي هم المسلمين.. المسلمين في قمة الإسلام اللي كنا بنقول عنه دائمًا لما قال: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}... قلنا ربنا أكمل إنزال الدين ولم يكمل تبيينه، لأنه المسلمين ما جو.. لذلك أنعمت عليهم دي هي إشارة لـ (أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي).. ونحن لمّاً نقرأ في الحمد: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ * غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} أهو، بين الطرفين تجد الاستقامة، وده المقام اللي بلغه النبي في المعراج، وقال عنه ربنا: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}.
وهو في الحقيقة، زي حالة توقف فكري، كأنما البندول وقف في النص.. ها دي الفينة بعد الفينة الأشار ليها عبداللطيف، ما بيقيف دائمًا.. دائمًا بعد ما يأخد ليه لحظة من المكث، ينجذب ثاني، لأنه دائمًا الترقي مفتاحه الفكر، مفتاحه العقل.. والصوفية يقولوا ما اتخذ الله وليًا لا عقل له.. يقصدوا نهايات الولايات لا يمكن أن تكون للمجذوبين الـ ما عندهم عقول.. في درجات من الولاية للناس الـ ما عندهم عقل من المجاذيب الـ ما مخاطبين.. لكن يقصدوا أنه ديل ما عندهم كمالات.. الكمالات دائمًا مع وجود العقل.. أها العقل في الأرجيحة دي.. وكل ما وصل نقطة، يعني هي زي نقطة الشعرة من الدقة الـ يقول عنها (أدق من الشعرة وأحدّ من السيف)، اللي هو الصراط، ده ذاته العقول الكبيرة تراه عريض فيهو طرفين برضو.. فالإنسان طبعًا الأعمش النواظر، الـ ما بيشوف، الحاجة الغليظة قد لا يراها.. الإنسان الدقيق النظر الحاجة الدقيقة يراها عريضة لامن فيها طرفين، تنقسم هي كمان برضو.. ولذلك الصوفية يقولوا عندهم الفكر الذي يفلُق الشعرة، دي تلقوا تعبيره كتير عند الغزالي.. المسألة هي كلها في العقل بين طرفينه، الكثيف واللطيف.. الكثيف ده بيترقى، اللي هو النفس، بيترقى، لأنه فيه مجال لأن يتبع اللطيف لأنه كثيف.. ودي العبارة اللي تجي: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}.. كل من عليها فان، في قاعدة الهرم، في الطرف الغليظ من الفكر، متغير باستمرار، ويبقى وجه ربك، الطرف اللطيف منه.. وما في بقاء بالمعنى الحقيقي والسرمدي، إلا لـ الله.. لكن في نسبة التغيّر، التغيّر في القاعدة أكبر مما هو في القمة.. و(كل من عليها فان) يعني متغير.. والتغيّر، الكثيف يطلب اللطيف.. الكثيف يطلب أن يبقى لطيف.. وكأنما الإنسان في ترقيه عايز جسده يبقى كأنه عقل، دائمًا ماشي لللطافة.. وحتى يجي ابن الفارض يقول: (وصرت موسى زماني مذ صار بعضي كلي).. كله بقى عقل.. كله بقى دراك يعني، يدرك بكليته، وربنا ما بيدرك بعقل، ربنا ما بيعلم بعقل، بيعلم بذاته كلها.. والإنسان الكامل ماشي ليكون دراك بكليته.. كأنما جسمه كله عقل من اللطافة وسرعة الإدراك والشفافية.
فالسالك، زي ما قال عنه عبد اللطيف، هو في الحقيقة ما بيعني حرفية الكلمة، المترقية النفس.. ودي عباراتنا عنها، من النفس الأمارة، اللي هي حيوانية، إلى اللوامة، إلى الملهمة، إلى المطمئنة، إلى الراضية، إلى المرضية، إلى الكاملة.. لكن كل ما ارتفعت هي بيقابلها عقل غير العقل داك.. لأنها هي حجاب العقل، كثافتها تخلي العقل كثيف.. ودي العبارة اللي جات فيها (إن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم، فضيقوا مجاريه بالصوم).. أها الصوم يدّي الذكاء شحذا يميط عنه الحجاب الكثيف، كأنما عليه بطانية، هو يميط عنه، أو يخرّمها ليه، إذا شئت، أو يخليها لطيفة.. بدل البطانية الكثيفة، قد تكون توب لطيف هو من داخله يشوف.. ودي المحاولة دائمًا أنه الجسم الكثيف ده، الحاجب العقل، يلطف ليخلي العقل عنده وجوه للرؤية، نفّاذ.. كأنهم الإثنين سالكين في الحقيقة.
والقيمة في السلوك بين الطرفين، يعني طرفي العقل، القيمة بتنعكس على القلب، طمأنينة، سلام من الانقسام، ودي هي الحياة.. كأنه خط الاستقامة هو خط الحياة، اللي هو في الحقيقة أعلى من العلم.. وده الـ بيحصل.. الحياة تكون كاملة في الفينة بعد الفينة، ثم أول ما يجي الفكر يوزعها ليجمعها مرة ثانية، ثاني يوزعها ليجمعها مرة ثانية والسير بالصورة دي.. زي طائر ود أبرق، كان شفتو ود أبرق.. ود أبرق يفر جناحيهو ويضمهن.. العقل بالنسبة للقلب زي الجناحين ديل.. لمّاً يكون بندول الساعة منفرط بالصورة دي، هو بيندفع لقدام.. لمّاً يضمهن كأنما انجمع في الحياة.. والحياة مفتاحها وطريقها في الاستزادة دائمًا العقل.. وده السبب اللي خلاهم يقولوا ما اتخذ الله وليًا لا عقل له.. كمالات الحياة لا يمكن أن تكون إلا بطريق العقول.. ورجوعنا لى الله طريقه العقول.
--