وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الكبت والمعاناة

تعلموا كيف تتعلمون - مدينة المهدية - ١٥ مايو ١٩٧٢

الكبت والمعاناة

ّالانسجام مع الرضا معناه الكبت، لأنه ما يرضي نفسك بيختلف عما يرضي الله، فبتجي مرحلة الكبت إذا كان التزمت جانب الرضا - الانسجام مع الرضا.. ولكن غير كده ما ممكن الإنسان يترقى.. غير الكبت ما ممكن يكون في ترقي.
ونحن أفتكر قلنا مرة أنه الخوف صديق، لأنه بيعيننا على الكبت، وقوة الكبت، لكنه في المراقي الكبيرة، بيكون عدو، إذا ما تحررنا منه ما بيكون الكمال.. لولا الخوف لما بدأ الإنسان يصعد عن الحيوان.. الإنسان كأنّه كان أفقي.. كأنّه أفقي، بعدين بالخوف والكبت جاء الترقي الرأسي..
يمكن أن تُسأل عن تقصد شنو بالمعاناة؟ أنت قلت حالة الغفلة وحالة الحضور.. دي هي الحالات اللي بتعتورنا وبنعيش فيها، والمطلوب أنه الإنسان يبقى في حالة حضور.
ففي حالة المعاناة نحن في حالة حضرة، ولّا في حالة غفلة؟ بس قول كلمتين عن المعاناة البتقصدها، وبعدين نخلي موضوعك يُطرح.. (...) هي دي، أنّه أصله ما في حضرة إلا هي المعاناة دي ذاتها.. لأنه الطبيعة، وده يجي الصبر تاني مرة، الطبيعة في الغفلة.. يعني كأننا نحن خارجين من الجهل ماشيين للعلم.. الغفلة هي الجهل وماشيين للعلم.. التعليم ده هو عبارة عن تفتّح ويقظة وملاحظة ومقارنة.. ودائمًا محاولة ترك الجهل والمشي إلى العلم.. إن قلت، عايز تقول عن علم.. إن فكرت، عايز تفكر تفكير سديد.. إن قلت، عايز تقول رأي سديد.. إن عملت، عايز تعمل عمل سليم.. المجاهدة إذن هي الحضور.
أصلًا ما يظن واحد، دي كثير من الإخوان قاعد تكون عندهم مشاكل في الموضوع ده، يقوم يصلي.. بعدين يلقى إنّه بيشرد من صلاته.. وهو شاعر بأنّه شارد عن صلاته، يقوم يسخط على حكايته دي، وما يرضى عنها، لأنّه غافل.. كأنما بيعتقد إنّه لمان يقوم في الصلاة راح يكون حاضر طوّالي.. وده أصله ما بيكون.. مجرد المعاناة حضور.. الغفلة هي الغفلة عن غيابك، اللي هو عدم المعاناة، عدم المجاهدة، هي دي الغفلة.. أن تصلّي وأنت غايب عن الصلاة ثم ماك شاعر بأنّك غايب، هي دي الغفلة.. لكن أن تكون أنت شاعر بغيابك، دي المعاناة ودي حضور.. فإذًا المعاناة يا عبد الواحد حضور.
بعدين بتختلف بقت المسائل.. يعني في ناس بكثرة المران، وكثرة الرياضة وكثرة العلم، يبقى الثرثرة الداخلية تقل، المعاناة تقل.
لكن أصله الحضور المطلق ما فيه.. لأنه دائمًا قائم حاجز بينك وبين الرب، هو جهلك به.. وجهلك به ما بخليك تكون معه تمامًا.. ما بترضى به كل الرضا.. أصله ما ممكن ترضى به كل الرضا.. بتقوم تكون المعاناة في أنّك أنت بتشوف نفسك ساخط.. تعاني حملها لجانب الرضا، ودي الحضور.. فالمعاناة على إطلاقها حضور يا عبد الواحد.
لكن بنعرف ناس بتكون عندهم حالة من السوء بالصورة دي، دا ما بيُسمّى معاناة.. زي مثلًا عايز يغش وما قدر يغش.. بعدين يأسف على أنّه ما قدر يغش.. في نحن عندنا واحد لقيته أنا في مدني في زاوية الشيخ عبد السيد، أبوه ضربه وطرده، قال القصة بتاعه أنه أبوه ببيع الويكة، وبيوجّه الويكة.. الشوال يخت أعلاه ويكة جديدة.. فهو فعلًا وقع بيعة مع ناس فتّشوا الشوالات من أعلاها، بعدين الولد الصغير قام اختلى بالجماعة وقال لهم الويكة دي موجّهة، من تحت قديمة.. فلمّاً ظهر لأبوه أنّه هو كلمهم، أبوه شال عصاته وضربه وطرده.. أها دي زي كأنه يعني ندمان على أنّه ما قدر يغش.. ده بعيد طبعا ودي ما المعاناة.
ـ