وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الصبر والرضا

تعلموا كيف تتعلمون - مدينة المهدية - ١٥ مايو ١٩٧٢

الصبر والرضا

الصبر.. يكون وين؟ في أمر الـ.. كأنه في أمر الانسجام مع الرضا والإرادة؟ الصبر على أي حال، في السلوك كله يكون أين؟ من البدايات إلى النهايات.. ممكن السؤال يكون شامل بالصورة دي.. الصبر..
سؤال فرعي.. ما ورد عنه التعبير برضو بأنه.. المصائب عايزة صبر.. والعافية عايزة صبر.. والصبر هو صورة عن حمل النفس على ما تكره، في حالة قلة العلم بالحكمة فيما يحصل ليها ومما تكره.
وده بيكون في حالة الإنسان العارف، الثقة بالله.. وأغلظ صور الصبر، الصبر على المصائب.. لكن حتى على النعمة في صبر.
فلمّاً الأصحاب سألوا الصبر، في مستوى ما يدركوا هم، لمّاً سألوا الصبر في مستوى ما يدركوا هم النبي قال لهم: "لا تسألوا الله الصبر، فقد سألتموه البلاء".. في مستوى ما يدركوا هم.
لكن الصبر لمّاً يمشي في دقائق المسألة لغاية ما يجي يعني في (الصبر عن الله) زي ما عبّر حسن وفَضُل، بتبقى دي قمم المعرفة.. وحديث النبي عنهم، إنما قاله لهم في القاعدة، لأنهم هم ما في المجالات دي.. فإذًا الصبر يدق ويلطف من صورة غليظة، حتى الصورة تكون صورة الجاهل.
فالإنسان الجاهل يصبر لأنه يئس، إذا ما صبر بيعمل شنو؟ كأنه كده.. ما بيقدر يعمل حاجة إلا أن يصبر.. وقد يصبر في السبعة يوم، وفي الـ ١٥ يوم، وفي الشهر يعني يظل ينازع لغاية ما ييأس، فيرده اليأس إلى الصبر.. وده الجاهل.. ده مش الموضوع بتاعنا.. الموضوع بتاعنا هو موضوع الإنسان الصبّار بالرجعة لى الله ودي قد تكون في اليوم، وفي اليومين، وفي الثلاثة يوم.. لكن الصبر الحقيقي هو الصبر حين الصدمة، {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.
بعدين المسألة دي تمشي في لطف زي ما قيل حتى أنها لا تنتهي بالمرة.. وفي المجالات الكبيرة - في مجالات الرضا.. الرضا مجاهدة في أن ترضي بما يقع عليك.. أن تحملي نفسك على الرضا بما يقع.. هو الحقيقة في مرحلة النفس الراضية ما في رضا.. في محاولة رضا، ده سُمّي رضا.. محاولة الرضا سُمّي رضا.. ولذلك كأنما هو تكلّف، مجاهدة، زي مجاهدة النفس اللوامة.. النفس اللوامة هي النفس الـ بتكبح جماح شهوتها، لكن يفلت منها الزمام مرة مرة، فيحصل الخطأ، ويحصل الندم.. في الصورة دي تتكرر في مسألة النفس الراضية.
فالرضا في المرحلة دي مش هو أن تكون النفس فعلًا راضية لكن أن يكون العقل بيشرح للنفس ضرورة وجوب الرضا.. هي في الداخل ساخطة لكن في قسمة.. الإنسان اللي ما راضي هو الإنسان اللي بكليته في جانب السخط.. الإنسان الراضي هو الإنسان العقله في جانب الرضا، بيحاول أنه يحمل نفسه وإن لجّت.. هنا في مرحلة المجاهدة دي الصبر كبير جدًا زي الصبر في مرحلة النفس اللوامة.. الصبر كبير جدًا هنا.. أن تحملي نفسك على ما يجب أن يكون من الرضا بالله لأنه مقتضى العلم، وإن كان غائب عننا لكن يسعفنا فيه الإيمان بأنه ما يريده الله لنا أحسن مما نريده نحن لأنفسنا.. وعلى الإيمان ده يقوم حمل أنفسنا على الرضا.. وده، دي مرحلة صبر كبيرة.
إذا كان الإنسان بقى مرضي.. الإنسان بقى مرضي.. الصبر بيكون وين فيه؟ نسمع شوية في السؤال ده.. الإنسان الراضي - الإنسان المجاهد من الأول من النفس اللوامة، إلى النفس الملهمة، إلى النفس المطمئنة، إلى النفس الراضية، ده كله مسألة الصبر فيه واضحة.. لكن إن بقى مرضي، الصبر انتهى ولا فيه؟
الواجد.. المرضي.. يجد كل ما هو عايزه.. لو تُرك في الوضع ده يبقى ما عنده زيادة.. لكن الله يطلعه على مقام أكبر من مقامه، فتحصل حركة خاطر بتمنّي المقام الجديد.. التمنّي ده صورة من السخط عايز صبر عنّه.. وده ما سمي (الصبر عن الله).. عايز صبر عن دا.. فدي صورة دقيقة جدًا من صور الصبر.. لكن دائمًا فيه.
الإنسان الراضي، الصبر هو حمل لنفسه على أن ترضى بالنتيجة اللي جابها الله، لأنه الحكمة في العمل غائبة عنه، لكن الإيمان بالله يقول له أنه، كل ما يريده ليك الله أولى مما تريده أنت لنفسك.. بعدين لمّاً يبقى مرضي، الصبر هو بدقائق المسألة في أنه (لهم ما يشاؤون فيها).. دي حالة المرضي.. (لهم ما يشاؤون فيها).. بعدين (لدينا مزيد) عندما ينفتح المزيد، أنت عايز تقتصد في التمني برضو.
دي ممكن الصورة يا رشيدة في حكاية الصبر.. أصلها بتلازم كل المراحل، من الجهل، اللي هو الصبر اللي الإنسان مضطر ليهو لأنه ما بيقدر يغيّر، صبر اليأس اسمه.. صبر الجاهل اسمه صبر اليأس.
بعدين صبر العلم يبتدئ بأنه يصبر على المصيبة، ويصبر على النعمة برضو.. يعني ما يكون بطر لمّاً ينجح وما يكون يائس لمّاً يفشل.. وهو ماشي في المراقي لغاية ما يكون يعني في حالة المرضي من الله.. الما بيشوف مكروه.. لكن بيكون عنده تمني لحالة غير الحالة اللي هو فيها، مجرد من يطلع على مقام أكبر، التمني ده عايز يقتصد فيه والاقتصاد فيهُ صبر.
الشاعر اللي بيعزّي واحد أظنه قال له: (ستصبر).. هو مات له زول، قال له: (ستصبر صبر اليأس أو صبر حسبة فلا تؤثر الأمر الذي معه الوزر)..
(ستصبر صبر اليأس) لابد لك من الصبر، مش راح تعمل حاجة.. وده صبر اليأس.. (ستصبر صبر اليأس، أو صبر حسبة).. الحسبة يعني انتظار الأجر من الله.. فلا تؤثر الأمر الذي معه الوزر.