وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الواردات

الجلسة الصباحية الثالثة - جلسة سلوكية مفتوحة (التسيير - الحصن - الأوهام - محكمة الردة)

الواردات

سؤال الحقيقة شيق جدا، وكان ممكن نديهو فرصة لسع، لكن التنويع بيكون طيب... فاضلة يمكن نص ساعة للجلسة دي.. وقيل عنه ما يكفي.
الواحد عايز زي تلخيص لما قيل تقريبا، اللي هو انه الوارد عند البداية بيكون مشوّش.. وارد المبتدئ السالك بيكون مشوّش، وده بيُقاس بالشريعة.. طوالي أصله ما في كلام فيه.. وهي في الحقيقة الواحد لمّاً يعاين ليها بيلقى انها الشريعة بتمش طوالي مع الـ.. بتكون هي المحك والمقاس.. لكن الشريعة في صورها البدائية يجب ان تكون هي قبلة قياس السالك لوارداته.
بعدين القيمة الكبيرة جدا انه كل ما تقيس أنت واردك بمقاس خارج منك، بيتصحح الوهم الفيهُ ويتنقى الوارد.. لأنك خرجت من حديث النفس وجات العبارة "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لمّاً جئت به".. وكل واحد من السالكين بيعامل وارداته كهوى نفس.. أول مرة حديث النفس.. وحديث النفس بلوّن الوارد، زي ما يلون الحلم.. لمّاً نحن نكون في اليقظة بنتمني أماني، ونحن عبّاد، حتى لو اتمنينا الولاية، وده شيء طبيعي جدا، أننا نحن دائما بنعبد لغرض وراء العبادة.
التمنيات دي تلون الواردات، وتلون الأحلام.. حتى يجيء ما يُسمى أضغاث أحلام.. أها أضغاث الأحلام عند السالك يجي فيها حديث نفس خفيف، يعرفها العارف.. يبقى السالك، سنده الحقيقي هو العارف المُسَلِّك زي ما قيل من الاخوان.. السند الحقيقي للسلوك دائما العارف المُسَلِّك.. بعدين الشريعة.
العارف المُسَلِّك عنده مجالات في أن يبرز له أوهامه وسببها شنو.. وأن ينصح بالطريق البيخلص السلوك من حديث النفس، لتجي الواردات، وتجي الأحلام المنقية.
فمجرد تأخير نفسك، وتقديم الحق، اتهامك لنفسك ده بيسلكك ويجوّد وارداتك وينقيها.. بعدين تبقى الشريعة العليها المقياس، هي في الحقيقة تمشي باستمرار ومتسامية.. حتى أكبر العارفين يقيس وارده، اللي هو في الواقع ما بيُسمّى وارد، وإنما بيُسمّى علم، يقيسه إلى الشريعة برضو.. لكن بتبقى الشريعة في قمتها هي ما عبر عنها نبينا لمّاً قال "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".. بعدين قيل في كلام الجمهوريين انه قمة الأخلاق، مكارم الأخلاق، هي أنه الإنسان يسلك ويتصرف تصرف الحر، وسلوك الحر.. وقيل انه الحر في مستوى القمة هو الحر حرية فردية مطلقة، وهو الذي يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول.. بذلك تتحقق الوحدة الداخلية عنده، ثم لا يكون عمله إلا خير وبر بالأشياء والأحياء.
فدائما أي وارد أو أي علم، مهما بلغ من حق اليقين، يجب ألا ينسحب منه ضرر على الآخرين.. هدا المقاس.. أي وارد لأي كبير إذا كان بينتج منه ضرر لإنسان، أو لحي من الأحياء، الوارد ده فيه تشويش.. فيه حديث نفس.. وارد شيطاني، من طرف.. والشريعة البيقاس ليها، هي الشريعة في جانب الشريعة، وفي جانب الحقيقة.. دائما الشريعة عندها وجهين.. الشريعة حقيقة، لكنها في الطرف القريب من الناس.. فيبقى المعاملة مع الأحياء والأشياء، شريعة.. والمعاملة مع الحق شريعة.. لكن ده ما نسميه الحقيقة.. قلنا الحقيقة هي معرفة أسرار الألوهية.. والشريعة هي التعامل مع الناس.. ففي جانب التعامل مع الناس، أي وارد ينتج منه ضرر على الناس، ده يجب أن يقف منه، ويفكر فيه ويراجعه.. أهو ده مقاسه للشريعة.
في جانب الحق، أي وارد يقوم فيه ادعاء ومنازعة للربوبية، ده وارد فيه كلام نفس، ويجب أن يقيف عنه، ويصحح فيه سلوكه.. ولذلك على اطلاق المسألة لمّاً تقولها بالصورة الواسعة دي الواردات كلها مقاسها على الشريعة هو تأخير لنفسك، واتهام لنفسك في الأول، وتقديم للحق الخارج منك.. وأصله كل الشرور بتجي من انحراف أنفسنا وحديث أنفسنا.
ده ما يمكن أن يقال عن الواردات، من البداية للنهاية تقاس على الشريعة، في القاعدة العامة في الخلق "لا ضرر ولا ضرار".. دا أيسر ما فيها.. بعدين مع الحق ما تقدم نفسك عليه.. وإن جاء وارد بتقدم فيه نفسك على الحق، دا وارد من إبليس، وتصحيحه بالوقوف.
ودائما العارفين، والعارفين زي ما قلنا وارداتهم ما بتسمى واردات بالمعنى اللي زي السالك، هي حقوق.. هي حق.. لكن كل حق فوقه حقيقة تجعله باطل في مرحلة.. وده الكلام القيل قُبَيلَك من عبد اللطيف، في التحكيم - التوسط - بين جلال ومحمد فضل.
كل حق وراءه حقيقة.. الحقيقة هي المطلقة والمجردة، والحقوق دائما نسبية.. الحق النهار ده، بكرة يصبح باطل في مشهد السالك.. وده الحديث اللي ورد عن نبينا (إنه ليغان على قلبي حتى استغفر الله في اليوم والليلة) قال (سبعين مرة).. هو في حالة من الحق، في مشاهدة الحق، في مرتبة من الحق.. بعد شوية يظهر له انه الحق ده باطل، لأنه ظهر ما هو أحقّ منه، في مواجهته للحقيقة.. ويترقى بالصورة دي.. فيستغفر الله من حالة قبيلك كانت مشهد في الحق، أصبح مشهد في الخطأ، أو مشهد في البعد، أصبح ضلال بالنسبة للحق الفوق له.. اهو ده المقاس.. المقاس ده باستمرار وبيكون سرمدي.
افتكر دي هنا نتركها في المرحلة دي، لكنها هي ممتعة وشيقة جدا.. والحمد لله الذي وفق اخانا الشيخ أحمد الفادني ليكون فاتحة خير في الجلسة دي كلها، من أولها لغاية الآن.