وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الوجودية الإسلامية والتزام جانب الخير

تعلموا كيف تتعلمون - مدينة المهدية - ١٥ مايو ١٩٧٢

الوجودية الإسلامية والتزام جانب الخير

الله أراد الخير وأراد الشر، (من آمن فقد آمن بقضاء وقدر، ومن كفر فقد كفر بقضاء وقدر).. فيبقى الإنسان المطلوب منه أن ينسجم مع الرضا، اللي هو جانب الإرادة الخيّر.. والفرق بين الوجودية الإسلامية يمكن والوجودية بتاعة الفلاسفة هي أنه الإنسان يجب أن يعمل، ما يكون الرضا بالله سلبي، يجب أن يعمل.. بعدين يجب أن يتوخّى الخير فيما يعمل.
الشريعة إنما جاءت لتسدد العقل للخير.. العقل براهو ما بيهتدي.. فجات مسألة الحرام والحلال..
فإذن الإنسان مطلوب منه أن ينسجم من البداية، أن ينسجم مع الرضا.
بعدين، يبقى انسجامه ده بيقتضي أنه يعمل الواجب المباشر بإتقان.. الإتقان معناه علمه بأنه ده ما يرضي الله.. ده العلم أول حاجة.. علم وعمل بمقتضى العلم.. فأول شيء أن يعلم، أنه واجبه ده بيُعمل على الوجه البيرضي الله.. والشريعة جاءت لتسدده.. العبادة جاءت لتسدده.
بعدين، ينفّذ حسب العلم بإتقان، (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فمن ذبح منكم فليشحذ شفرته، وليجهز على ذبيحته).. لأنه الخير، ما دام الله نزل لنا مثلًا البهائم لنرتفق بها، الحكمة في خلق البهائم أن تعيننا نحن في غذائنا وفي أعمالنا.. نعم من الله لنرتفق بها لنسير ليهو.. وإذن الرحمة عنصر من عناصر معاملتنا ليها هي حية، وفي ذبحها، الرحمة بالصورة دي.. فمن ذبح منكم فليشحذ شفرته، وليجهز على ذبيحته.. ما تبرك على بهيمتك بسكين ميتة.. كأنه كده.. فده ما يرضي الله في استعمالك للبهيمة.
بعدين، بعد الواجب المباشر بإتقان، النتيجة بتظهر.. النتيجة إن جات على ما يرضي نفسك، الحمد لله.. يبقى رضا نفسك بقى مع رضا ربك.. إن جات النتيجة بغير ما يرضي نفسك، وجب الرضا بما يحصل، للعلم بأنه إرادة الله خير، في المآل.. زي الدواء البتشربُه، مر في اللحظة دي، لكنه فيه الشفاء.. فبقى الإنسان دائمًا مفروض منه أن ينسجم مع ما يرضي الله.. مما يرضي الله أن تحمل نفسك على ما أراده هو.. مجرد رضاك بإرادته بقى رضا.. أحسن افتكر الموضوع ده يكون واضح.. ولسه بيحتاج لجولات فيه فيما يظهر لي.
بنرى أن الإرادة شر كلها، ولا الإرادة مفتولة من طرفين خير وشر؟
[إذا الإرادة] كلها شر، يبقى العبارة بتاعة إبراهيم تكون صحيحة.. لكن الإرادة ما كلها شر، ولو كانت الإرادة كلها شر ما كنا بنتعلم.. لأنه ما دخل الخير والشر إلا لنعلم نحن.. ما دخلت الثنائية إلا لنعلم.. وما دخلت الثنائية إلا بالإرادة.. ولذلك الإرادة خير وشر، كفر وإيمان، فيجب أن نرفض الكفر، مش نرفض الإرادة.. لأنه الإيمان إرادة.. فكأنه نحن لمّاً نرفض الشر، ما رفضنا الإرادة، رفضنا الشر.. بعدين لمّاً نقبل الإيمان أو نقبل الخير، قبلنا الإرادة.
فكأنه ده طرف الرضا في الإرادة.. وكأنه نحن بنحاول أن نخرج من الظلام للنور، أو من الجهل للعلم، أو من الإرادة للرضا، كأنه كده.. في العبارة الواسعة بنقولها كده: نخرج من الإرادة للرضا.. لأنه الشر إرادة بس، مش لأنه كل الإرادة شر، لكن لأنه الشر إرادة.
لمّا نحن بنتكلم أن نخرج من الإرادة للرضا، معناها نخرج من الشر للخير.. وده زي تسمية الكل بالجزء بس، لمّاً نقول نخرج من الإرادة للرضا، سمينا الشر إرادة، لكن مش كل..، في علمنا، أنه مش كل الإرادة شر.. النقطة دي نحن الحقيقة عايزينها تكون واضحة.. ما بنرفض الإرادة، لأنه الإرادة ما كلها شر، بنرفض الشر.
في نفس الوقت اللي أنت بتقبل الخير، أنت قابل الإرادة، لأنه ده الطرف من الإرادة، هو الخير.. بعدين دي الشريعة جاءت لتوريك إياها.. بعدين العقل المريّض برياضة الشريعة، يعرف الخير والشر في الأمور المشتبهات.. (الحرام بين والحلال بين، وبينهما أمور مشتبهات)، لغاية ما يبقى الشر هو ما يشغلك عن الله.. هو حلال في الشريعة، لكن كونه بيشغلك عن الله ده بقى حرام في شريعة الورع مثلًا، اللي هي شريعتك أنت لمام تكون ورع، وما شريعة كل الناس.. فالورع يترك سبعين باب من الحلال خوف الحرام.. يبقى الشر هنا عنده مش الشر الغليظ داك، لغاية ما تمشي في الدرجات الرفيعة فيه.
وده زي امبارح قلنا فيه أنه قمة الهرم مش إرادة صرفة.. قمة الهرم مش خير صرف يعني، اللي هو الرضا، اللي قالت عنه بتول امبارح.. قمة الهرم، وإن كان نقطة، يعني نحن لمّاً نرسم الشكل الهرمي، قمته نقطة، لكن النقطة فيها مساحة.. الخير المطلق إلا عند الله.. فإنت كل هرم تمشي ليهو في ارتفاعك، قاعدته غليظة، وقمته رفيعة.. وقمته دي ذاتها قاعدة لقمة هرم جديد، وهكذا.
ـ