وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

عمل الواجب المباشر باتقان والرضا بالنتيجة

تعلموا كيف تتعلمون - مدينة المهدية - ١٤ مايو ١٩٧٢

عمل الواجب المباشر بإتقان والرضا بالنتيجة

لمّاً تترك الحرام وتمشي مع الحلال، بالإرادة، بالهمة بتاعك في السلوك، معني الكلام ده انك إنت محاول أن تنسجم مع مرضاة الله.. الواجب المباشر تعمله بإتقان في الجانب ده.. بعدين إذا جات النتيجة بغير ما ترضى، ترضى بالنتيجة، على اعتبار أنها إرادة الله وراها حكمة.. لأنه الإرادة في الحقيقة، حتى في مظهر الشر، هي خير.. الإرادة في مظهر الشر هي خير.
فنحن بنكون لمّاً نعمل، بنعمل الواجب المباشر بإتقان وفق الشرع، لأنه عندنا مقاسنا، الخير والشر، بنعمل الواجب المباشر بإتقان.. المحاولة هي دي، الواجب المباشر بإتقان.. إذا كان جات النتيجة على ما نحب، ده ما بكلفنا مجهود أصله.. إذا جات النتيجة بغير ما نحب، وجب أن نرضى بالنتيجة، لإنها إرادة الله، وإرادة الله خير كلها.
فكأنه انسجامنا في الحقيقة مع المرضاة، هي رضانا بالإرادة، بعد ما نعمل الواجب، مش في جانب السلب.. بعد ما نعمل الواجب بإتقان، النتيجة اللي بتجي إن بقى في جانب ما يرضي أنفسنا، بقت دي مرضاة الله، اتفقت مع مرضاتنا.. إذا كانت في جانب ما يسخط أنفسنا، يجب أن نحمل أنفسنا على الرضا به، لأنه دي هي الخير لنا.. النتيجة اللي حصلت في تدبير الله لنا، أحسن من تدبيرنا نحن.. ومرحلة السير لإن ننسجم مع مرضاة الله بالمعنى التام، هي أن نجاهد في أن نرضى في مرحلة الإرادة.
وزي ما قال عنها يوسف، مرحلة الإرادة مرحلة سلوك، مرحلة مجاهدة، مرحلة سير.. بعدين لمّاً نصل نحن بالمجاهدة بأن نرضى بالله، يرضانا الله.. وأصله نحن ما بننسجم مع مرضاته هو، إلا إذا رضانا هو.. ولذلك تلقى إنه مرحلة الراضي مرحلة تكلّف، ماها مرحلة صدق تمام.. مرحلة أنه النفس بتلج، إنت تحملها على أنه العلم يقول مادام إنت عملت الواجب بإتقان، الخير هو ما أراده الله ليك.. وما ترضى قبل ما تعمل الواجب.. الرضا قبل ما تعمل الواجب المباشر ده موقف سلبي.. المجاهدة في الرضا هي بعد ما تعمل الواجب المباشر بإتقان.. رضاك بـ الله يسوقك في الاتجاه ده لغاية ما يرضاك الله.. لمّاً يرضاك الله خرجت من ثنائية الخير والشر إلى الخير المطلق.. بقيت مرضي، والمرضي أصله الله ما يوريه ما يكره.
ولذلك هنا الحديث اللي ذكّرنا به عماد قال: (إنك تريد وأريد، وإنما يكون ما أريد.. فإن سلمت لما أريد، كفيتك ما تريد).. (كفيتك ما تريد) معناها جيت بقيت مرضي.. (إن سلمت لما أريد كفيتك ما تريد).. وما تريد إنت دائمًا جانب اللطف، جانب اللذة، جانب الخير.. مافي شر، مافي ألم، ما في مصيبة، فيما تريد إنت.. إرادته هو فيها الثنائية لكن إرادتك إنت دائمًا فارّة من الشر للخير.
ولذلك كأنما الوجود ربنا بيصفّيه في خلال إرادة الإنسان.. كأنه الصيرورة من الإرادة، الفيها الخير والشر، إلى الرضا، اللي فيه الخير المطلق، الصيرورة في الوضع ده، بطريق عقل الإنسان.. الله يفعل بالعناصر ويفعل بعقل الإنسان.. بالعناصر مافي تمييز، يجي الخير والشر.. يعني الحر والبرد مثلًا.. حر الشمس الشديد وبرد الشتاء الشديد، أهو ربنا عملها بالعناصر.. المرض، الجوع.. لكن الإنسان ربنا يصفي به الشرور دي ليصل به إلى الخير.. العقل ده.. لأنه إرادتنا نحن دائمًا نريد لأنفسنا الخير.. دائمًا نريد لأنفسنا اللذة، نفِر من الألم للذة، نفِر من الشر للخير، نفِر من الظلام للنور، نفِر من الحر للاعتدال، للصور البنحبها.. هو بمجاهدتنا نحن في أن نرضى به، يدّينا العلم بيوصلنا إلى أن نكون خرجنا من الشر للخير.
فكأنه في كل وقت إنت بتعمل، إنت منسجم مع مرضاته، إلا لمّاً تكون سلبي.. بتفِر من الكفر للإيمان.. بتفِر من الكفر للإيمان.. فرارك من الكفر للإيمان انسجام مع مرضاته.. فالناس ما حقو يشوفوا الرضا منعزل عن الإرادة.. الرضا مش منعزل عن الإرادة.. الرضا هو الإرادة ذاتها، لكن الثنائية جات عشاننا نحن بس.. أصله الثنائية فيه هو مافي، عند الله مافي.. الثنائية جات عشان نحن نفهم.
ونحن لمّاً نفهم مكلفين بأن ننسجم مع مرضاته، في إرادته.. مش عارف الصورة إذا كانت واضحة ولّا لا.. أصله الثنائية مافي إلا عشان نفهم نحن.. (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).. فدخل الخير والشر في الإرادة.. إنت كمكلّف بأن تعمل، بتعمل وفق التعاليم اللي جاتك من إنه الشر تتركه، والخير تلزمه.. في مجاهدتك دي إنت منسجم مع مرضاة الله، اللّي هي إرادته.. في مجاهدتك ترتفع من طرف الشر إلى طرف الخير، إنت منسجم مع مرضاته.. مُش الرضا حاجة، والإرادة حاجة منفصلة.
كدي نسمع في الباب ده شوية، لأنه ضروري.. مش الرضا شيء منفصل عن الإرادة.. الإرادة ذاتها هي الرضا، لكن نحن لنفهم جات الثنائية فيها.. نحن كمكلفين عقولنا تمشي من جانب الشر إلى جانب الخير، لأنه نحن البيلذنا والبيؤلمنا ما هو واحد.. نحن بنفر الى اللذة قبل ما تكون عندنا عقول.. بنفر إلى اللذة من الألم.. فكأنه إرادتنا نحن ما بترضى إلا بالخير.. فنحن لمّاً نجاهد في عملنا، وفق الشريعة، بننسجم مع مرضاة الله.. ومن هنا يجي العمل يكون إيجابي ما هو سلبي.
ـ