وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

المشوار بحساب القامة الروحية

الجلسة الأولى بعد الخروج من المعتقل - المهدية - الأربعاء ١٩ ديسمبر ١٩٨٤

المشوار بحساب القامة الروحية

الحاجة اللي الانسان قوي الثقة بالله فيها، أن الجمهوريين ما يلقوا إلا ما يقويهم ويزيدهم ويجهزهم لأمرهم، بالمرة.. زي ما حصل الاعتقال، الناس مشوا له مسرورين وفرحانين، وعاشوه مسرورين وفرحانين، وخرجوا منه مسرورين وفرحانين.. لكن من المؤكد أنه نحن مقبلين على حركة عايزة تشمير أكتر، بنقصّرها بقدر ما نشمّر.
نحن خرجنا في وقت برضه الشعب واقع عليه شيء كثير جدًا من الاضطهاد، ومن الظلم، ومن الجوع.. من الجوع بصورة محزنة يعني.. بعدين السلطة في أضعف أوقاتها، حاجة مربوكة.. السلطة مربوكة ما عارفة تعمل شنو.. الهوس الديني، لضعف السلطة، افتكر أنه هو قريب من السلطة.. والهوس الديني من المؤكد أنه بيستهدف الجمهوريين.. ما عنده أعداء غير الجمهوريين، حتى ولا السلطة.
ولذلك أنا بفتكر أنه الأيام المقبلة راح تكون أيام عراك.. لكن العراك ما بضركم بأي حاجة.. راح يقويكم ويزيد قاماتكم.. بس لأنه المشوار طويل.. المشوار، مُش بحساب الزمن، بحساب القامة الروحية.. القامة الروحية المطلوبة كبيرة جدًا.. إذا كان نحن أيقنّا بأنه الفكرة الجمهورية هي الدين، وأنه الدين عايد بغرابة، و غرابة شديدة، وأنه عايد ليكون في قامة هي قامة كوكبية، زي ما المجتمع البشري مجتمع كوكبي، وكله محتاج للدين، لابد أنه الناس البيرفعوا المشاعل دي يكونوا قامات عالية جدًا.
كل العوامل بتتضافر لترفع القامات دي.. لكن بقدر ما نجوّد، بقدر ما نغيّر أنفسنا، نحن بنقصر المشوار ده.
واحد من مشايخة الأحمدية - الشيخ البشير في الحقنة - أدّى واحد من تلاميذه إسم، عشان يكرره في سبحته.. وقال له: أعمله كم يا مولانا؟ قال له: إن كنت من أهل التوحيد اعمله مرة واحدة.. الناس بيعملوا عدد الـسبعين عشان يكون فيه واحد صاح.. هسع الجمهورين أمامهم المشوار ده، إما الحكاية تبقى سبعين ألف، أو بتبقى واحدة، حسب التجويد.. فإذا كان كل واحد عرف مسئوليته، وعرف خطورة القامة المطلوبة منه، والمقام المطلوب أن يملأه، وعكف على نفسه، أفتكر المشوار قصير.
لكن لابد من أنّه يكون في تغيير جوّه.. المعركة الجمهورية هي كلها معركة روحية.. أنتو بتنتصروا انتصار روحي.. زي ما بنقول أنه معركة الجمهوريين في سجادة التلت.. دي كان بتقال دائما.. بطبيعة الحال الناس كلما يمشوا لقدام، زي اللي بيجمعوا قوة، وسرعتهم بتبقى أكثر، لأنه في أنوار استجمعت.. بيجيكم وقت أنه الأنوار اللي استجمعت دي فجأة تشتعل، زي حكاية ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.. بعد الست أطوار ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.
فإنتوا هسه، الناس اللي خرجوا من المعتقل، والناس المعتقلين في البيوت وفي المكاتب وفي كل جهة، كل جمهوري هو في الحقيقة في المعتقل.. كل جمهوري غريب على المجتمع ده.. والغربة بطبيعة الحال بتخلّي الانسان ينظر لداخله أكثر مما ينظر لخارجه، وبيشعر بأنه هو مقصود بالعداوة، وأنه ما عنده لمواجهة العداوة غير الالتصاق بالله.
المسألة البتحوجكم لـ الله هي مسألة لخيركم، ما في أي كلام فيها.. وأنا أفتكر أنه في الأيام المقبلة راح تشعروا بالحاجة لـ الله أكثر مما شعرتوا بها في أي وقت.. وأنا مستبشر للمسألة دي تمامًا.
نحن في منعطف جديد.. أفتكر أنه الناس يأخذوه بالجد اللازم، وبالعمل اللازم.. ما بتلقوا أنه العمل ده نار، بتلقوه نور.. نور أخضر بارد ولذيذ وممتع.
فالناس أحسن يعكفوا فعلًا بالصدق في مواجهة أمرهم.. وخيركم قريب.. أصله ما في أدنى شك.. وما يجري لكم إلا ما يزيدكم قوة وقرب والتصاق بالله.
ـ