أنه في بداية سلوك السالك، من النقطة اللي سؤال شيخ أحمد فعلًا وضعها في طريق كويس، في مسألة الأنانية الجاهلة.. ونحن أصلنا زي ما قالوا الصوفية، الصوفية قالوا: (سيرك منك، وصولك إليك).. يعني سيرك من جهالاتك، وصولك إلى معرفتك.. سيرك من أنانيتك السفلى، وصول إلى أنا أنانيتك العليا.. تخلصك من جهلك، وصولك إلى حقيقتك.. ده كل السلوك يا هو ده.. (سيرك منك، وصولك إليك).. وبعدين دي قديمة قالوها الفلاسفة، وقالوها الصوفية، وقالوها العلماء، وقالوها الأنبياء: (اعرف نفسك).. (من عرف نفسه فقد عرف ربه).
فنحن موضوعنا في الليلة دي إذا كان هو محاولة لأن يصل الإنسان من نفسه السفلي إلى نفسه العليا.. من نفسه الحيوانية إلى نفسه الإنسانية.. من جهالته إلى معرفته.. وإذا كان قدرنا نصل الخط ده أفتكر أهو موضوع السلوك ظهر يكون.. نسمع.
مما هو الطفل الوراثة وين؟ نحن قلنا الكبت الموروث في الجنس البشري، مثلًا.. بعدين يجي الكبت المكتسب.. أهو عندنا طفل.. شنو الوراثة؟ طفل وُضع (... صغيرة)، في يوم ميلاده، اتفتحت عينيه، بدأ يكتسب، بدأ يتأثر.. مجرد من دخل الهواء في رئتيه وصرخ.. بدأ يمارس التجارب.. ده سُمّي المكتسب.. الموروث وين؟
يوسف قال "الموروث الحياة".. كل الجرم بتاعه ده موروث.. ما كان في يوم هو ما في.. نحن ما مرّ يوم نحن مافيشين.. لكن في حالة من الحالات.. ما عندنا تصرف إرادي فيها، لكن النتيجة الجاهزة أهي دي.
من هنا تبتدئ الحركة بتاعة الإنسان فيما سمي بالحكاية المكتسبة.. لكن كل جرمه، ده الموروث.. والحديث هناك (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة) دا لمّاً يجوا يبرزوا في الإسلام، يبرزوا على معدنهم الأصلي ده، اللي جايين بيهو من قدام، اللي زي ما قلنا أصله ما كان في يوم ما في.. (الناس معادن) النبي قال (كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام، إذا ثُقّفوا).. (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام).. ولذلك هو كان عنده حرص على أحد العمرين، على اعتبار معدنهم، لأنهم في الجاهلية كان لهم صوت، ولهم جرأة، ولهم شجاعة، ولهم صدق، ولهم بأس، فإذا أسلموا يُوشكوا أن يدخلوا بالفضائل دي لينصروا الدين.. فقال (اللهم انصر الإسلام بأحبّ العمرين إليك) وكان عمر بن الخطاب، بدل عمرو بن هشام.. أحب العمرين، عمر بن الخطاب، أو عمرو بن هشام، اللي سُمّي فيما بعد بأبو جهل.. كان في الجاهلية اسمه أبو الحكم.. بعدين لمّاً ظهرت ضغائنه في الإسلام سُمي أبو جهل.. وهو عمرو بن هشام، وخال لعمر بن الخطاب، فنبينا كان معجب بصدقهم وشجاعتهم وجرأتهم.. فكان قلبه مال أنهم، أنه واحد يسلم.. جرت للحكمة الإلهية أنه واحد منهم.. لو كان قال الاثنين، كانوا أسلموا.. لكن قال: (اللهم انصر الإسلام بأحب العمرين إليك)، فأسلم عمر بن الخطاب.
وبعدين هو قال (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة).. الإنسان اللي بتشوفه أنت في المعارضة شديد، نحن هسه تجربتنا كده، الإنسان الفي المعارضة شديد وصادق وعنده غيرة، هو ده البيجي.. ده فيه خير.. الإنسان المراوغ، البلاقيك يوافقك، ويبلغك عنه في وراك أنه بيتكلم ضدك، ده ما فيه خير.. والإنسان الأصله ما عنده عرق ولا بيهتم، ده ما فيه خير.. والمسائل دي كلها موروثة.
أفتكر أحسن تعبير قاله عنها يوسف (الحياة).. كل الجرم ده موروث من تقلبات الحياة في الصور المختلفة، منذ أن كانت قبل التجسيد، إلى أن دخلت في أدنى صور التجسيد، إلى أن مرقت من المادة غير العضوية إلى المادة العضوية، إلى أن مرقت في مستويات الحياة العليا، إلى أن جات في الإنسان، في الأرحام - من الأصلاب في الأرحام لغاية ما وُلد. النتيجة الجاهزة دي موروثة.. وهي دي جملة الحياة.. فيها كل مناشطها وفيها كل طاقاتها وحيويتها.. فالموروث هو جرمه ده كله.. في ناس موروثين من عناصر طيبة، وراثاتهم من عناصر طيبة، وناس وراثاتهم من عناصر خبيثة.. ودي تلقوا بيها الناس اللي.. تلقي أولاد الصالحين قريبين، لأنهم وارثين.. وارثين صور لطيفة تخلصت من الكثافة في التسلسل الطويل.
إذن جرمه كله هو الكبت الموروث.. الصور الموروثة.. وعبارة علي اللي قال فيها (كامنة فيه الإرادة) دي صحيحة مؤكد.. لأنه هو جنين بشر، مش جنين حيوان، ورث برضه الإرادة لكنها ما ظهرت.
عايزين بقى نحن ننطلق من النقطة دي، ونمشي لمراقي الإشارات اللي قالها لنا شيخ أحمد في مسألة النفوس.. يعني نحن عندنا السالك، من هو طفل، عايزين نطلع بيهو من هنا، ليتم دورته ويرجع إلى سلامة صدره تاني.. والعبّاد عايزين يرجعوا للطفولة.. كل عابد عايز يكتسب الحنكة والتجربة بتاعة الشيوخ مع براءة الطفل.. دي الولاية يا ها دي.. الولاية إذا التقى القديم والحديث.. إذا التقى الشايب والطفل في شخصية واحدة.. تجربة الشايب وبراءة الطفل دي العبقرية.. والعبادة ماشة لكدة.. بعد ما مرق لغاية الشيخوخة، ولّا الكهولة، ولّا الشباب الناضج، اكتسب التجربة، يرجع ثاني للبراءة بتجربته، فيلتقي الطفل والشيخ فيه.. حنكة الشيوخ وبراءة الأطفال.. دي العبقرية، ودي الولاية.
نحن عايزين السير ده.. أي واحد منكم يأخذ لنا زول ويسلّكه.. ينطلق من البراءة ويرجع ليها.. والصوفية برضه عندهم العبارة (النهاية تشبه البداية).. (النهاية تشبه البداية، ولا تشبهها) يقولوا.. بداية الإنسان أنه بسيط وما مدّعي حاجة.. بسيط ومتواضع وما شاعر بأنه عنده.. ما شاعر بقيمة لنفسه.. ما مستعلي.. بعدين يمشي في مراحل الادعاءات لغاية ما يرجع.. لمّاً يبقى عالم يرجع يكون بسيط تاني.. أصله الإنسان المتكبر ولّا الإنسان المستعلي ولّا الإنسان المدّعي، ده الجاهل.. لا هو في براءته الأولانية، ولا هو في العلم اللي يخليه يكون بسيط مرة تانية.
فإذا تمت الدائرة، يصبح البسيط الأولاني، الساذج الأولاني، البريء الأولاني، أخذ دورته وجاء رجع بفضل العلم تاني رجع للبساطة والطيبة والتواضع، والسذاجة إذا شئت.
فقالوا: (النهاية تشبه البداية ولا تشبهها) لأنها البداية على جهل، والنهاية على علم.. لكن الشبه بيناتهم التواضع، وعدم ادعاء أي شيء، وطيبة النفس، وحلاوة الشمائل - البراءة.. ده الشبه بيناتهن، والاختلاف بيناتهن أنه دي ثمرة علم، وديك ثمرة جهل.. فيقولوا (النهاية تشبه البداية ولا تشبهها).. أهي دي النقطة اللي بيقولها يوسف، نحن اللي عايزينها هسه.. ينطلق من بساطته لغاية ما يكمل دورته ويرجع لبساطته تاني، بفضل العلم، وده ما سمي السلوك.
-