وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

موقف الجمهوريين من المديح النبوي والمداح

ندوة عن المديح - منزل عثمان أبوبكر - مدني - ٢٣ نوفمبر ١٩٧١

موقف الجمهوريين من المديح النبوي والمُدّاح

الإنسان يلاحظ صورة من التقارب الشديد بين الإخوان في الحديث، فيما يخص المديح.. الشيخ أحمد الحسن المادح والشيخ عبد الرحيم، يمكن أن يُطمئنوا، إلى أنه الكلام ده ما هو ضد المديح.. كونه النبي ممدوح، وكونه مدحه واجب، وكونه في بركة في مدحه على النفوس البتمدحه والنفوس البتسمعه، ده أصله ما هو موضوع الكلام هنا، ولا هو موضوع النقاش ولا الجدل.. ده شيء مُسلّم به ومُنتهي منه.
والجمهوريين أول أمرهم دعوا إلى التقليد، وقالوا (بتقليد محمد تتوحّد الأمة ويتجدّد دينها).. ومنهاجهم أصله التقليد، والدعوة إلى العودة عن الطرق كلها إلى طريق النبي.. حتى دعوتنا دي شقّت على أصحاب الطرق، وخذّلت منّنا بعض أصدقائنا وبعض أعضائنا ممّن كان نهجه جمهوري.. لمّاً الناس دُعوا إلى طريق محمد، شقّ عليهم الأمر ده، وقعدوا في نوع من المغالطة.. يقولوا أنه الطرق ما أصلها ياها طريق محمد.
تبيّن لهم المفارقة والبدعة الحسنة، وأنه النبي ما خلّى حاجة لتدخل فيها بدعة حسنة، وإنما دخلت البدعة الحسنة بحكم الوقت.. ونحن بينّاها في طريق محمد، وكيف أنه الطرق خدمت غرضها حتى استنفذته، وأنه لم يبق إلا طريق محمد.
بعدين قيل برضو أنه التقليد ما هو عمل فاضي، وإنما عمل يقوم على المحبة والثقة.. وأنه من أجل المحبة والثقة يجب على الإخوان أن يسمعوا المديح، وأن يكرموا المدّاح.. أن يسمعوا المديح، وأن يكرموا المدّاح.. لأنه بسماع المديح، بالتنغيم والتطريب البيكون محبب إلى النفس، سواء كانت معانيه رفيعة أو معانيه مبتذلة، بتحصل حضرة ويحصل هشاشة وطرب في النفس، يحبّب النبي إلى النفس.. فيكون التقليد عن ثقة بصاحب الشمائل، وصاحب الكمالات، وصاحب الكرامات، وصاحب الفضائل المنثورة في المديح.
وفعلاً نحن مشينا على النهج ده بصورة شائعة.. وقيل في الفكر الجمهوري أنه لمّاً النبي يُمدح هو حاضر، وأنه الإنسان يجب أن يعرف أنه هو في حضرة مهيبة، حضرة نبوية، فلا يتحدث، ولا يخلف رجل على رجل، ولا يعمل أي صوت من الأصوات.
بل الحقيقة أنّه الإخوان الجمهوريين إذا كان في مديح في الصالون، والواحد منهم جاء، ينتظر برة لغاية المدحة ما تتم حتى يدخل.. والإخوان المدّاح المختلفين لاحظوا، على اختلافهم، لاحظوا صورة الأدب، وصورة الحضور، وصورة الاستماع والإنصات لمديحهم، البتحصل عند الجمهوريين، ما وجدوا لها شبيه، وقالوا الكلام ده.
وبإتقان الإنصات، وبحسن معاملة المدّاح، وإكرامهم، وبالإقبال الحقيقي على المديح، لابد أن تكون وسيلة المديح خدمت غرضها.. ولا يمكن للناس أن يكونوا بيلفوا في حلقة مفرغة: يمدحوا الليلة، ويمدحوا بعد عشرين سنة كما مدحوا اليوم! وده ما هو نهج الجمهوريين؛ هم ماشيين لقدام.
المدّاح، ما كان الجمهوريين أول من أكرمهم.. بلدنا ده، ما عُرف رجل له قيمة في قدم الدين وقدم الصلاح، إلا كان بيكرم المدّاح.. وبل الحقيقة، شيء بديهي.. شيء بديهي أنك إذا إنت بتحب النبي، تكرم الناس البيمدحوا النبي، والبيعيشوا على مديحه، واللّي خلوا كل شيء إلا أن يرتزقوا بجاهه العريض.
وكان الشيخ العبيد يقول: "أنا أسيادي ثلاثة: أهل القرآن، والأشراف، والمدّاح".. وكلهم جُمعن في النبي: القرآن قرآنه، والأشراف أبناؤه، والمدّاح خدامه في تطريب الناس بشمائله وبكراماته.
وكانوا يكرموا المداح غاية الإكرام.. فالجمهوريين ما أول من أكرم المداح، ولا هو بدعة إكرام المداح؛ لكن الجمهوريين بدعة في صورة أنهم بيستعملوا الوسائل، وهم متطوّرين باستمرار، وناميين وماشيين لقدام.
ولمّاً كان القرآن والأشراف - العترة - حتى يعني كان نبينا يوصّي على عترته كما يوصّي على القرآن: "أوصيكم الله في عترتي".. "تركت فيكم اثنين: كتاب الله وأهل بيتي".. وفي وضع تاني يقول: "كتاب الله وسنّتي".
فَوارد أنه التوصية على القرآن وعلى العترة.. وهم المشمولين في الصلاة - الصلاة الأنسية: "اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وسلّم"، ما في صحبه هنا.
فالموضوع ده مستيقنّنه الجمهوريين، وعارفينّه.
مديح الله للنبي في القرآن هو القمة.. لكن ما هو في المتناول، صعب، وعايز تسليك وإعداد له، ليعرفه الإنسان.
يقولوا بعض الجماعة في حكاية يرووها عن واحد من مشايخة العرب الشكرية.. قالوا: جوه المداح، وبعدين قال: الناس منو؟
قال قالوا ليهو: مدّاح الرسول.
قال ليهم: بتمدحوا الرسول منّاك للقرآن ولا دون جاي؟
قالوا: عاد منّاك للقرآن بيكون كيفين؟
قال: عاد شنّ الفائدة؟! ما دام بتمدحوا دون جاي للقرآن، شنّ الفائدة؟
والحقيقة دي لجاجة ليكيد لهم، لكن ما ممكن أنك أنت تدرك مدحه في القرآن، إلا إذا مُدح دون جاي من القرآن؛ لأنه بيكون فيه فرصة التسليك لتمشي للقرآن، وده النهج الجمهوري.
الجمهوريين بيستعملوا كل وسائل العبادة، وسائل التقليد، ليكون عندهم مفتاح القرآن.
فإذا كانوا انتقلوا من المديح البيقوله ود سعد، وبيقوله أب شريعة، وبيقوله الصرصري، وبيقوله أي واحد من المدّاح، سواءاً كان بالعربي الفصيح أو سواءاً كان باللغة الدارجية، ما معناها أنه استغنوا عن مديح النبي، بالمرّة.. النبي راح يظل هو المفتاح في التقليد، وفي التأسّي في الأصالة.. فضله دائمًا موجود، والإنسان الما بيرى فضله، وبيزيد في حبه وفي معرفته، ما هو ماشي لى الله.
ـ