وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

هل مطلوب الانسجام مع الرضا أم مع الإرادة؟ الأمر التكويني والأمر التشريعي

تعلموا كيف تتعلمون - مدينة المهدية - ١٧ مايو ١٩٧٢

هل مطلوب الانسجام مع الرضا أم مع الإرادة؟

هسه الكلام القاله إبراهيم.. مثلاً: "دون الرضا السخط." طيب، الإنسان بيسخط على شنو؟
لمّاً يصيبه خير بيسخط، ولا لمّاً يصيبه شر بيسخط؟
الإنسان الساخط ساكن، أو الإنسان الما عابد وما مهذب وما مؤدب في طريق الرب، وبيسخط على الله.. بيسخط على ما يرضيه من الإرادة ولا على ما يسوؤه من الإرادة؟
هو طرف الإرادة اللي هو الشر هو اللي بنسخط عليه.
ولمّاً ذاتنا نقول "إرادة الله"، ده كأنما باشرنا الشر.. لكن لمّاً يباشرنا الخير، ما قاعدين نقول "إرادة"، كأنه ده نصيبنا الطبيعي.
والإنسان مطلوب منّه أن ينسجم مع جانب الإرادة، الخيِّر، ما مطلوب منّه أن يسخط على الإرادة، أن يرفض الإرادة.. يرفض الشر، اللي هو مراد برضو.. الشر مراد، لكن مش الإرادة هي الشر.
الشر مراد، لكن الإرادة الخير والشر، ولا شنو؟ الإرادة الخير والشر.. الاثنين ما داخلن إلا بإرادة، لكن الله بيرضى الخير وما بيرضى الشر.. ففي داخل الإرادة، نحن بنلزم ما يرضي الله، اللي جاء الأمر التشريعي بيهُ.
الأمر التكويني فيه الخير والشر.. الأمر التشريعي ما فيه إلا الخير: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ".. هناك لمّاً قال في الأمر التكويني: "وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا".. "أمرنا مترفيها" – هدا سُمي الأمر التكويني.. فيه الفسق وفيه البر.
لكن: "وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ؟" فبقى هنا ده أمر تشريعي، وداك أمر تكويني.
الأمر التكويني ياهو الإرادة، والأمر التشريعي الرضا.. ولذلك ما بيجي رسول يقول للناس: "اقتلوا" أو "اسرقوا".. ده معنى "إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ".. الله لا يرسل رسول ويؤيده بالآيات وبالكرامات والمعجزات، ثم يقول له: "قول للناس اقتلوا بعض".. "قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ".
فنحن إذًا، في داخل الإرادة، مطلوب منّنا أن نلزم الرضا، وأن نسخط أو نفارق أو لا نرضى بالشر في الإرادة.. الشر مُراد لكنه ما مرضي.. والخير مُراد ومرضي.
بعدين باستمرار، هي قمة الهرم بتجي من الصورة دي.. ممكن الواحد يقول قاعدة الهرم ٥٠/٥٠.. ممكن الواحد يتصور بالشكل ده: الخط اللي بيسمي قاعدة الهرم، ٥٠ خير، و٥٠ شر.. ممكن نقول كده بالصورة دي.. بعدين، أنت كلما التزمت الجانب الشرعي، بتلزم الخير، وتنمي الخير، وتحارب الشر.. تبص تلقى أنه كلما طلعت نحو القمة من قاعدة الهرم، زاد حظ الخير ونقص حظ الشر.
كأنك أنت، في منطقة الإرادة، بتلزم الرضا وترفض الشر.
لمّاً إنت تجي لترضى بالإرادة كلها، لمّاً تجي في المنطقة دي، الإرادة تبقى خير كلها.
لأنه الإرادة، من وجهة نظر الله، كلها خير.. الله خير مطلق.. الشر ما يدخل في الوجود إلا بجهلنا نحن.. والجهل الحكمة فيه أن نتعلم.. الجهل علم ناقص بس.. "وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ" تقول كده.. واحد عالم، لكنه جاهل بالنسبة لأعلم منه، وعالم بالنسبة لأجهل منه.. فكأنه حتى الجهل علم ناقص، فلذلك فيه خير، بممارستك له يزيد.. ممارستك للخطأ والصواب، في الممارسة وفي العمل، يزيد العلم.
لمّاً نقول: "المقصود من الإنسان أن ينسجم مع الإرادة"، مجرد ما تقول "المقصود من الإنسان"، الحاجة المكلّف بيها الإنسان، أن ينسجم مع الإرادة، البيسكر بيجي يقول: "دي إرادة الله".. ما بقى سلبي؟ السلبية بتجي هنا.
الإيجابية بتجي في أنك أنت المقصود أنك تتجافى من جانب الشر في إرادة الله.. ما ترضى بالشر في إرادة الله، ده بالضبط العبارة بالصورة دي.
المطلوب منك ألا ترضى بالشر في الإرادة، وتسعى للخير في الإرادة.. أنت في منطقة الثنائية بالصورة دي.. ولذلك تكون مع الخير ضد الشر، مع الإيمان ضد الكفر، زي ما قلنا، لغاية ما يكون مع المؤمن ضد الكافر.. الكافر عدو الله، تقتله.. وإلا، إذا كنت بتكون مع الإرادة، كيف بتقاتل؟
أهو أنت في نقطة البداية، وأصله دخل الجهاد في سبيل الله بشنو؟ ما بأنك أنت مع الخير ضد الشر، ومع الخيّر ضد الشرير، ومع المؤمن ضد الكافر.. والإيجابية تجي من هنا.

وعلى طول المدى، يمشي في أنك أنت مكلّف بأن تنسجم مع الخير في الإرادة، وتكون ضد الشر في الإرادة.
لكن لو قلنا نكون ضد الإرادة.. إن قلنا نكون مع الإرادة، بتبقى سلبيين.. إن قلت تكون ضد الإرادة، هو عمل ذاته، القول ده بيكون واهي.. لكن كأنك تعتبر الإرادة كلها شر.. إن كنت بتقول: "المطلوب من المؤمن أن يكون ضد الإرادة"، كأنك بتعتبر الإرادة كلها شر، وده ما صحيح.
البداية أهي من النقطة دي.. أنت بتكون ضد الشر في الإرادة.. المطلوب منك أن تنسجم مع الرضا في الإرادة.. تحب الخير، وتحارب الجهل، وتحارب الشر، كأنه كده.. لغاية ما تجي أنت في منطقة أن تكون مرضي.
أصله السلوك، ما أنت سالك من إنسان دون التكليف الأساسي ده، يعني أنت سالك من تحت قاعدة الهرم.. الإنسان يسلك وهو قبل ما يكون مكلّف شرعي.. حي أقصد.. قبل ما يكون مكلّف شرعاً، كأنه سائمة، ودي ما سميت "النفس الأمارة"، شايف؟
لمّاً يجي في منطقة التكليف: الحرام بيِّن، والحلال بيِّن.. أهو.. أمروه بالحلال.. يبقى ده الممكن نقول فيه في قاعدة الهرم: الخير ٥٠، والشر ٥٠.. يعني القاعدة كأنها مقسومة، ده الممكن نقوله الإنسان المبتدئ.
بعدين ابتدأ ومشى لقدّام، جاء في "النفس اللوامة".. النفس اللوامة محاولة تنمي الخير، وأي شر يحصل منها، تلوم نفسها عليه.. فدي بدأ نماء الخير عند السالك، لغاية ما يجي في المجاهدة في أنه يكون راضي.
اللي بيكون راضي ده، عمله ما عمل سلبي.. يعمل الخير "جهد الإتقان" — الواجب المباشر، البنقوله "جهد الإتقان"، يعني يعمل الخير جهد الإتقان.. بعدين، إذا كان النتيجة جات بغير ما يرضى، يرضى.. يحاول يرضى.. إذا كانت النتيجة جات بغير ما هو عايز.. يحاول أن يسوق نفسه في طريق الرضا بالله، لأنه الله أولى بيك منّك.
لغاية ما أنت ماشي بالصورة في التنمية دي، لمن تبقى "مرضي".. لا يجي خير إلا إذا كان ظهر أنه الرضا أسمى الإيجابية.. ما يجي خير في الدعوة لبعث الدين، والدين ينظم المجتمعات المقبلة، إلا إذا ظهر أنه الرضا هو أكثر الأمور إيجابية.. ويخرج من جهل الجهلاء اللي بيقولوا: "والله دي إرادة الله" — اللي هي صورة السلبية، العاملة عليها جهلة الإسلام الآن، وعليها المسلمين طوالي.
قول: "الإنسان مطلوب منّه أن يسير مع الإرادة" — تبقى كيف حكاية لغوية؟ حكاية سلوكية عملية.. لأنه أنت لمّاً تسير مع الإرادة أو تنسجم مع الإرادة، زي ما قلنا، معناه الإنسان اللي بيسكر ما خرج من الإرادة.. إذا كان مطلوب منّه أن ينسجم مع الإرادة، عذره واضح.. المسألة ماها لغوية.. المسألة سلوكية، ومن دقائق السلوك، وتلقاها انعكاساتها عملية مباشرة.
ومال الجانب السلبي، اللي بيعتبر الرضا سلبي شنو؟ ماهو ده...
لكن هي المشكلة لو كانت بالبساطة دي، ما كان وقفنا فيها طويل.. حقها تكون، أنا أفتكر، بالبساطة دي.. حقها تكون واضحة، لكن وقفنا فيها.. وقفنا فيها بمعنى... أهو زي كلمة يوسف، أو وقفة إبراهيم.. إبراهيم طويل وقف في النقطة دي.. وإبراهيم برضو تجي عبارته من قول الناس مثلاً: "دي إرادة الله".. وكأنّه الناس لمّاً يقولوا "دي إرادة الله"، في رفض فيها، لكن عاجزين عن الرفض.. عاجزين عن التنفيذ كأنه.. وبعدين، أو يقول، زي ما برضو قال إبراهيم، ... كانت شنو يا إبراهيم؟ السخط، أهو شايف؟
أنت عملياً، لمّاً ترجع، بتلقى الإنسان اللي بيقول "دي إرادة الله"، ما بيقولها لمّاً يكون مسرور، بالمرة.. يعني، لمّاً يكون ناجح وموفّق، قد يقول ده اجتهاده هو.. هسع الواحد، لو نجح في الامتحان، ما بيقول "دي إرادة الله النجحتني".. لكن لو سقط، يقول "دي إرادة الله".
بعدين، السخط ذاته ما بيسخط على حالة اللذة، بيسخط على حالة الألم.
فإذن تلقى أنه الإنسان، لو نحن شُفنا حتى العبارات دي، نلقاه هو ساخط على الشر في الإرادة، مش على الإرادة.
الإيجابية واضحة.. لكن الإيجابية بتجي لمّاً نقرر أنه الإنسان مطلوب منّه أن ينسجم مع مرضاة الله - بتبقى الإيجابية.
لكن إذا كان في كلام أنه ينسجم مع إرادة الله، الإيجابية قد تتخلّف.. لأنه ما في شيء بتصعد بيه لي فوق.. إن عمل الخطيئة، ما خرج من الإرادة.. لكن أن عمل الخطيئة خرج من الرضا.. شايف؟
فكأنه النقطة دي إذا تقررت، يبقى الإيجابية مؤكدة، ظاهرة.. إذا ما تقررت، يبقى هو ده الموضوع.
لتتقرّر الموضوع ده أحسن ياخد جولته.. الناس الواضحة لهم، ترى واضحة لهم.. الناس الما واضحة لهم، أحسن يكون في نقاش فيها، لتتّضح.
---