وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الوهم والحصن

الجلسة الصباحية الثالثة - جلسة سلوكية مفتوحة (التسيير - الحصن - الأوهام - محكمة الردة)

الوهم والحصن

النقطة الثالثة برضه أفتكر إنتهينا منها، ووجدت نقاش لطيف ودقيق.. مسألة الأوهام، مما ابتداها حسن عبد الحفيظ، إلى أن جاء عبد اللطيف وجلال.. كل الإخوان اللي اتكلموا عن النقطة، اتكلموا كلام طيب جدًا.. ويبدو لي إنه شيخ عبد الله أبو شيبة أجملها إجمال طيب، في معنى أنه نحن كُلِّفنا بالعبادة، وكُفِل لنا الرزق، تركنا ما كُلِّفنا به، واشتغلنا بما ضُمن لنا، قال.. الجنة ما ضُمنت لـ زول، لكن الرزق ضُمن لكل إنسان.. وبعدين تركنا الما مضمون، واشتغلنا بالمضمون.
وفي بعض دعاء العارفين، قال: "أفردني لما خلقتني له، ولا تشغلني بما تكفّلت لي به."
الوهم هو الشغلنا بما تكفَّل لنا الله به، وصرفنا عمّا خُلِقنا من أجله.
"أفردني لما خلقتني له.".. و(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)
فقال: "أفردني لما خلقتني له، ولا تشغلني بما تكفّلت لي به"، شيخ عبد الله أجمل الموضوع دا إجمال طيب جدًا، في أننا نحن خُلِقنا للعبادة، وضُمِن لنا الرزق، تركنا العبادة واشتغلنا بالمضمون لينا.
مسألة الوهم أفتكر فُصِّلت وأُجملت.
والقضية دي كلها، البيت اللي جابه لينا الشيخ أحمد الفادني، افتتح به الجلسة دي، وجد إجمال ووجد تفصيل. وكان ممكن نديهُ الجلسة كلها، لكن أفتكر أحسن نمشي لقدّام، ليكون في مسائل تانية، قد تعود له هو في بعض أبوابه.. هو شامل للموضوع من جميع أطرافه.
وعبد اللطيف بدأه بإجمال، وبعدين مشى التفصيل فيه.
جاء تفصيل من يوسف جورج، كان ملفت، ملفت بصورة عجيبة يعني.. اللي هو القول بـأنه نحن مسيّرين من البُعد للقُرب، وأنه البُعد في الإرادة المتوهمّة.. كأننا خرجنا منه وراجعين له.. (وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ)، و(إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ)، (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ)..
أول ما تجي الرجعى، معناها زي اللي بتقوم إنت من هنا، تقول: أنا ماشي الخرطوم وبرجع.
أول ما تجي "الرجعى"، معناها بداية التسيير برضو مُضمّنة في مسألة الرجعى.
ونحن خرجنا من الله في تلاتة مراتب، زي ما حصل بيها الكلام كثير: أنه الله مسيّر الوجود تسيير مباشر، وشبه مباشر، وغير مباشر.. هو، في البُعد، نحن مسيّرين تسيير غير مباشر، ودا حجَبنا عن الله.. ودي الإرادة المتوهمة.. بعدين، من الإرادة المتوهمة، ما يبعدنا، ومنها ما يسيّرنا.. نحن سائرين لى الله بالإرادة المتوهمة.
ودا ما حصل فيه النقاش بين جلال وفضل، وحصلت فيه وساطة طيبة جدًا من عبد اللطيف.
الإرادة المتوهمة تسوقنا بعيد، وتسوقنا قريب.. يعني: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّىٰ يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ)، يبقى "هوانا" بالصورة دي، لما نمشي في تبع النبي، دا قُربنا.. (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ) يبقى أبعدنا.. الهوى دا إن بقى تابع للشريعة، قرّبنا.. وإن بقى إله براه، معبود من دون الله، يبقى أبعدنا.
فهنا يوسف قال: يسيّرنا بالإرادة المتوهمة، بدل يسلكنا لأنفسنا نَضل، يسيّرنا بها في التبعية.
وقال: إلى أن يسير الإنسان حتى لا يرى لنفسه إرادة.. فيسير من مرحلة التسيير غير المباشر، إلى مرحلة التسيير شبه مباشر، إلى مرحلة التسيير المباشر، اللي بكون فيه زي العناصر الصمّاء، الما بتعترض على الله.. ويجي هنا: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ).. لأنه العناصر كلها، كل ما في الوجود، مسلّم وجهه لله.. كل ما في الوجود طايع، لا يعصي.. لكنه ما هو عاقل بالطاعة.
فإذا جاء الإنسان المسلم في القمة، يكون طايع كما تطيع سائر العناصر، ثم هو واعٍ وعاقل.. هو مسيّر بعقله، فالعناصر الأخرى مسيّرة بأجسادها.
فكانت صورة طيبة جدًا.

وأنا أعتقد إنها تستغرق جزء كبير جدًا من تفكير المفكِّر لو تابع الموضوع دا.
"سيّرني، سيّرني"، سيّرني يعني من البُعد إلى القُرب.. من البُعد إلى القُرب.. والبُعد هو الجهل، والجهل أكبره أن نتوهم لأنفسنا إرادة.. ودا الوهم، اللي في الآخر جاء عنه الكلام.
وما دام شيخ أحمد مشى بينا في طريق شعراء ود بدر، في شاعر تاني نحن بنتكلم برضو عن أبياته كثير، القال:
عتبات النفوس حمت البيار ما تجِم
أصحابي المعاي لبسوا السوار والكِم
بوب بوب يا حبر.. درج وليدك لِم
وفى الشرع العظيم رقّى له وعلِّم.
دا واحد من شعراء الشيخ العبيد.
التسيير لـ الله في مراقي العلم، ما هو بقطع المسافات.. وفي "الشرع العظيم"، فالشريعة بتبتدي بما لا تصح العبادة إلا به.. لكن الشريعة برضها: "لا إله إلا الله".. الشرع الجامع للرسل كلهم هو "لا إله إلا الله"، بعدين شرائعهم، لأممهم، وشرائعهم لعبادات أفرادهم، هي اللي بتختلف.. "وفي الشرع العظيم رقّي له وعلِّم" يعني في "لا إله إلا الله"...
وهنا التسيير من البُعد إلى القُرب، من الجهل إلى المعرفة.. ونحن ما بنسير لله بالمسافة.. إن كنّا نحن في الشريعة، بنسير له في مكة، وبنسميهو دا بيته، "بيت الله في مكة" شريعة، ما هو حقيقة، بيت الله في الحقيقة في كل القلوب.
والعارفين، زي ما ورد في أقوالهم، زي الشيخ عبد القادر الجيلاني قال: "حجوا إليّ، فإني كعبة نصبت وصاحب البيت عندي والحمى حرمي".. في الحقيقة، بيوت الله هي قلوب العارفين، مش المساجد، مش الكعبة.. لكن في الشريعة هي دي.. لأنه في مرحلة من الأوهام تقطع.. التربية في السير لـ الله هي تربية المعرفة.. لغاية ما تلقاهو فيك.. إن سرت لـ الله تلقاهو فيك.
وسيّرني.. سيّرني.. زي ما قلنا من البعد الى القرب.. لغاية ما يدخل الحصن.. والحصن زي ما قال عنه عبد اللطيف من بداية المسألة من (محمد رسول الله).
الحقيقة نحن المسلمين عندنا (لا إله إلا الله، آدم رسول الله).. (لا إله إلا الله، نوح رسول الله).. (لا إله إلا الله، موسى رسول الله).. (لا إله إلا الله، عيسى رسول الله).. لغاية ما نجي في (محمد رسول الله).. آ هنا دي زي حكاية (أعرف شيخك وحب الكل).. الصوفية يقولوا (أعرف شيخك وحب الكل).. شيخنا محمد.. نعرفه باتباعه وبتجويد عمله، لكن كلهم مشايختنا.. كلهم نحبهم لكن جاء التركيز في اتباعه..
ومن ما يجي لا إله إلا الله محمد رسول الله بتوكيد (...)
إنت محصن حتى لمّاً تعمل بالشريعة الظاهرة، مثلا (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) مجرد من تصليها في شكلها الصوري، بدت حكاية النهي عن الفحشاء والمنكر ودخلت في الحصن، لغاية ما يبقى حصنك هو الله، زي ما قال عبد اللطيف، مُش كنت حصني (أنت حصني).. عندما تدخل ويكون حصنك الله هناك ما في بلاء.. الحضرة ديك ما فيها شر.. الحضرات المختلفة فيها الشرور، وانت توقى من الشرور كلما التصقت بالله.. فاذا دخلت عنده شر مافي.. عنده إنتهت الثنائية ودخلت في الخير المطلق..
الأوهام برضها، أفتكر، ما في كلام بيقال فيها أكثر مما قيل، لكنها برضها حكاية الإرادة المتوهمة، وعتبات النفوس، هي الأوهام.
نحن، كل واحد مننا، هو أكبر وهم موجود.. ولذلك، الصوفية يقولوا: "وجودك ذنب لا يُقاس به ذنب."
"وجودك" يعني إرادتك، مع المريد، كونك بتعتقد إنك أنت في وهو في.. أنت موجود، وهو موجود.. ودا الوهم الأكبر، ودا ساقنا بطريق الخوف وسوء الظن بالله أن نجتهد الاجتهادات اللي خلتنا نخلي الواجب علينا، ونشتغل بغير الواجب، اللي أجملها شيخ عبد الله.
طيب، أنا أفتكر أنه بيت حاج الطيب، اللي قاله لينا شيخ أحمد الفادني، أخذ فرصة طيبة جدًا، وأدانا مجال طيب.. أحسن نمشي في مجالات تانية، في بقية زمننا دا.