وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..
موقف الأستاذ من محكمة الردة: لقد جاءت محكمة الردة في وقت شهد نشاطا واسعا للجمهوريين ملأ أفق الحياة السياسية في البلاد فكرا، وعلما، ثم إن الجمهوريين، فوق ذلك، كانوا قد شدّدوا النكير على الطائفية، وعلى دستورها المزيّف الذي التحف قداسة الإسلام، وتسمى باسمه.. ولمّا ضاقت الطائفية ذرعا بذلك النقد المركّز، اهتدت، بمكرها، الى استخدام القضاة الشرعيين، واستغلالهم، في الكيد للجمهوريين بصورة تؤذي كل كريم يحترم دينه، ويعّتز برأيه، ومن ثم كان تدبير محكمة الردة التي هي في الأساس مكيدة سياسية. ويكفي هذه المحكمة سوءا أن الشاكي فيها وهو الشيخ الأمين داود قد أتصل بالقاضي الذي سينظر الدعوى وبقاضي الاستئناف الذي ستستأنف له القضية و وعداه بالوقوف مع الحق كما ذكر، حيث ذكر الشاكي ذلك في كتابه. وقد تعامل الأستاذ مع المحكمة تعامل العارف فلم يمثل أمامها ولم يوقع حتى على الإعلان الصادر منها لأنه كان يعلم انها لا سلطة لها. ولما صدر حكمها لم يستأنفه الاستاذ وقد رد كثير من المحامين الذين عرضوا عليه تقديم استئناف ضد ذلك الحكم الواضح البطلان، ولكن الأستاذ أراد أن يستغل هذا الحكم لتوعية الشعب. فبدأ أولا بالكتابة في الصحف؛ بكلمات قوية أجتزئ منها (أما أمركم لي بالتوبة عن جميع اقوالي، فإنكم أذل وأخس، من ان تطمعوا فيَّ. وأما إعلانكم ردتي عن الاسلام فما أعلنتم به غير جهلكم الشنيع بالإسلام). وأيضا (متى عرف القضاة الشرعيون رجولة الرجال وعزة الاحرار وصمود اصحاب الأفكار) وأيضا عبارة أن القضاة الشرعيين يجب الا يؤتمنوا على العرض. وقد هدد القضاة الشرعيون في الصحف أنهم ينوون مقاضاة الأستاذ، ولكنهم فضلوا الصمت، إذ علموا أنهم لا يستطيعون منازلة الأستاذ. كان للمحكمة أثرا سيئا في تضليل الناس و تشويه الفكرة الجمهورية في أذهانهم، خاصة أن الذين كانوا يروجون لها هم رجال الدين من وعاظ وأساتذة دين وقضاة شرعيين وهي الطبقة التي يأتمنها الشعب على دينه. فأقام الاستاذ سلسلة من المحاضرات العامة طاف بها مختلف انحاء السودان، كانت تعطى فيها الفرصة في الحوار لرجال الدين ومؤيديهم. وقد كشفت هذه المحاضرات للشعب مستوى جهلهم بالدين و بالسياسة، وكان الأستاذ دائما يكرر أن اَفة البلد ان الجهل حاكم، زي ما حاصل اليوم في بلدنا.