في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

مشكلة الشرق الأوسط

الفصل الخامس



العنصرية الإسرائيلية


لقد ورد في بعض الكتب قولهم: ((إن روما سحقت الدولة اليهودية ولكنها لم تنل من العنصرية اليهودية))..
وفى الحق إن الناس ما عرفوا عنصرية كعنصرية اليهود في شدة تماسكها، وفى تعصبها، ويرجع السبب في ذلك إلى عدة عوامل أهمها الدين.. فقد كان اليهود من سحيق الآماد طليعة ديانة التوحيد.. وقد عايشوا أمماً عدة فلم يكن دين التوحيد إلا عندهم هم.. فقد عايشوا القبائل المختلفة في فلسطين قبل عهدهم بمصر وبعد خروجهم من مصر، وعايشوا من الأمم المصريين، والآشوريين، والكلدانيين، والفرس، واليونان والرومان فما وجدوا عندهم غير الوثنية والمجوسية وعبادة قوى الطبيعة والحيوان والبشر، أحياءً وأمواتاً.. وكانوا هم بفضل هذا التوحيد شعب الله المختار بحق.. وقد تقرر هذا عندنا في القرآن كما تقرر عندهم في التوراة.. أما عندهم ففي أشعياء، الاصحاح الثالث والأربعين يقول: ((لا تذكروا الأوليات، والقديمات لا تتأملوا بها.. هأنذا صانع أمراً جديداً.. الآن ينبت.. ألا تعرفونه؟ اجعل في البرية طريقاً في القفر انهاراً.. يمجدني حيوان الصحراء.. الذئاب وبنات النعام لأني جعلت في البرية ماءً أنهاراً في القفر لأسقي شعبي مختاري.. هذا الشعب جبلته لنفسي.. يحدث بتسبيحي))..
وأما عندنا فعن الاصطفاء يقول تعالى: ((يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين)) وذلك من سورة البقرة، ويقول في آل عمران: ((إن الله اصطفى آدم، ونوحاً وآل إبراهيم، وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)) وأما عن التوحيد فقد قال تعالى: ((أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت؟ إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي؟ قالوا نعبد إلهك، وإله آبائك، إبراهيم، وإسماعيل، وإسحق، إلهاً واحداً ونحن له مسلمون))..
وفهم اليهود الخاطئ لعبارة ((شعب الله المختار)) هو الذي جرَّ ولا يزال يجُرُّ عليهم المصائب، ويمنعهم من الاستجابة لنداء الحياة الملح بالتطور، وبالاندماج في ركب البشرية السائر بوسائل العلوم، وبوسائل ديانات التوحيد إلى الوحدة، وكما بدا آنفاً فقد كان اليهود طليعة دين التوحيد بهذه الصورة الجماعية، ولكنهم عندما ظنوا أن دين التوحيد يخصهم وحدهم أخطأوا، وانعزلوا، واستكبروا، فرفضوا المسيح عندما جاءهم بما لا تهوى أنفسهم، ورفضوا محمدا.. وما كان ينبغي لهم أن يفعلوا ذلك لو تفطنوا، ذلك بأن اتجاه التطور حتى في تعاليم أنبيائهم كان يستهدف إعدادهم لقبول دعوات التوحيد المتجددة، حين تظهر، وكلما ظهرت، وعلى يدي من تظهر على يديه.. فرسالة ارميا التي وردت الإشارة إليها، وقول أشعياء في الاصحاح الثالث والأربعين الذي أوردناه آنفا يقومان دليلا على ألا عذر لهم حين رفضوا المسيح ومحمدا.. اللهم إلا عذراً يقوم على العجز عن دقة الفهم عن النصوص المرنة، التي تحمل عديد الوجوه، يمد في هذا العجز، ويمهد له، تعصب عنصري لا يرى أن الخير يمكن أن يجئ من غير عنصر الإسرائليين.. ففى أشعياء الاصحاح الحادي عشر يرد قوله: ((ويخرج قضيب من جزع يسى وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب.. روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب ولذته تكون في مخافة الرب فلا يقضي بحسب نظر عينيه ولا يحكم بحسب سمع أذنيه بل يقضى بالعدل للمساكين ويحكم بالإنصاف ولبائسي الأرض ويضرب الأرض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه ويكون البر منطقة متنيه والأمانة منطقة حقويه..
((فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معاً وصبي صغير يسوقها والبقرة والدبة ترعيان.. تربض أولادهما معاً والأسد كالبقر يأكل تبنا ويلعب الرضيع مع سرب الصل ويمد الفطيم يده على جحر الأفعوان لا يسوؤه.. ولا يفسدون في كل جبل قدسي لأن الأرض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطي المياه البحر ويكون في ذلك اليوم أن أصل يسى القائم راية للشعوب إياه تطلب الأمم ويكون محله مجدا))..
ومثل هذا القول يمهد الطريق لقبول المسيح، ولقبول محمد، إذا وقع على أذن واعية، هذا مع إن كل الموعود به لم يتم على يدي المسيح، ولم يتم على يدي محمد، وإنما يبقى منه ما يتم على يدي المسيح الأخير، الذي بمجيئه تتحقق الخلافة البشرية على الأرض، كما تحققت يوم خلق الله آدم قبل أن يخطئ، فيزل، فيطرد.. ولكن اليهود لم يفهموا فانتظروا المجئ الأخير (ولا يزالون ينتظرونه) ورفضوا الخطوات المؤدية إليه.. ومن ههنا جاء انعزالهم، وجاء بعض ما يلقون من عنت، برفضهم المسيح، وبرفضهم محمد..
وفى أشعياء أيضاً، في الاصحاح الرابع والخمسين يقول: ((ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد، أشيدي بالترنيم أيتها التي لم تمخض لأن بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل قال الرب.. أوسعي مكان خيمتك ولتبسط شقق مساكنك لا تمسكي.. أطيلي أطنابك وشددي أوتادك لأنك تمتدين إلى اليمين وإلى اليسار ويرث نسلك أمماً ويعمر مدناً خربة.. لا تخافي لأنك لا تخزين.. ولا تخجلي لأنك لا تستحين.. فإنك تنسين خزي صباك وعار ترملك لا تذكرينه بعد.. لأن بعلك هو صانعك رب الجنود اسمه.. ووليك قدوس إسرائيل إله كل الأرض يُدعى.. لأنه كأمرأة مهجورة، ومحزونة الروح، دعاك الرب، وكزوجة الصبا إذا رذلت قال إلهك.. لحيظة تركتك وبمراحم عظيمة سأجمعك.. بفيضان الغضب حجبت وجهي عنك لحظة وباحسان أبدي ارحمك قال وليك الرب.. لأنه كمياه نوح هذه لي.. كما حلفت ألا تعبر بعد مياه نوح على الأرض هكذا حلفت ألا أغضب عليك ولا أزجرك.. فإن الجبال تزول والآكام تتزعزع أما إحساني فلا يزول عنك وعهد سلامي لا يتزعزع قال راحمك الرب))..
هذا القول يعني، فيما يعني، هاجر في مقابلة سارة.. وهو بذلك إشارة إلى العرب في مقابلة بني إسرائيل.. ومن ثمّ فهو يبشر اليهود بمحمد ((ترنمي أيتها العاقرالتى لم تلد)) يعنى لم تنجب نبياً غير إسماعيل في حين أن الأنبياء كلهم من ولد سارة.. فحين قال ((ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد)) أشار إلى إنجاب نبيٍّ من ولد هاجر، جدة فريق من العرب، وقد كان محمدا.. ولكن الإسرائليين قد أعمتهم عنصريتهم عن تقبل الحق الذي جاءهم به.. وفى هذه الآيات يرد قوله تعالى: ((وويلك قدوس إسرائيل إله كل الأرض يُدعى)) ولكن اليهود لا يريدون أن يفهموا إلا أنه تعالى إلههم وحدهم، وهم وحدهم شعبه.. ومن ثمّ فإن ضلالهم بعيد، بعيد..
وفى ملاخى، الاصحاح الرابع يقول تعالى قولاً واضحاً: ((هأنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجئ يوم الرب، اليوم العظيم، والمخوف، فيرد قلب الآباء على الأبناء، وقلب الأبناء على آبائهم، لئلا آتي واضرب الأرض بلعن)) ((فإيليا النبي)) معرفاً بالألف واللام هو محمد النبي الأمي وخاتم النبيين.. ولكن اليهود لا يعلمون.. وهم لا يعلمون لأنهم ظنوا أن التوراة، وأن اليهودية خاصة بقوميتهم الإسرائيلية، وأن الله إلههم وحدهم، وليس لأمم الأرض فيه مشاركة.. ومن ثم جاء ضلالهم، وبعدهم، وتعاليهم على الأمم، مما جرّ عليهم، وعلى الأمم الويلات والمصائب..

الحركة الصهيونية


بعد تخريب الرومان لأورشليم عام 134 ميلادية تفرق اليهود في وجه الأرض وبقي منهم من بقي في فلسطين، وممن بقي المعلم يهوذا، وقد كتب حوالي عام 200 ميلادية القسم الأول والأهم من التلمود وهو ما يسمى (المشنا) ويتضمن تقاليد زعماء اليهود السماعية وفتاواهم.. وأما القسم الثاني من التلمود فقد كتب فيما بين عام 200 وعام 500 ميلادية وقد كتب خارج فلسطين.. كتب في بابل، وهو عبارة عن شرح وتفسير لما جاء في ((المشنا)) ولقد أوردنا آنفاً نموذجاً لما جاء في التلمود من وصايا يهودية هي من الدلائل على مدى التعصب العنصري ولا بأس من إعادتها هنا.. تقول ((أيها اليهودي.. اعتزل باقي الأمم وابق على شخصيتك بينها واعلم أنك أنت الوحيد عند الله.. آمن بالنصر على العالم.. آمن بأن كل شئ سيخضع لك.. فاستغل.. وعش.. وانظر.. وانتظر))..
ومن أسوأ ما يوحيه التلمود لبني إسرائيل أن يعتقدوا أن كل الأرض ميراث لهم يجب أن يستولوا عليها من الخوارج (ويعنون بذلك كل من عدا اليهود) ويجب أن تؤول إليهم السلطة على هذه الأرض بكل وسيلة.. كما ظهر لك من الفقرة الماضية، ولقد كان من دواعي هذا الشعور أن اليهود انعزلوا عن الشعوب التي عاشوا بينها، ولم يرتبطوا بولاء للأرض ولا للسلطة التي عاشوا تحتها، وكثيرا ما اتهموا بالخيانة، إما للشعوب التي يعايشونها أو للسلطة.. فعندما ظهر الوعي الطبقي والثورات الشعبية في غرب أوربا في القرن السابع عشر ناهضها اليهود، وضلعوا مع السلطة يومئذ، وعن ذلك يحدثنا الأستاذ عبد الستار البدري في مقالة له بعنوان ((الصهيونية والعالم العربي)) ظهرت بمجلة القلم بعددها الخاص بحرب فلسطين وفيها يقول: ((ولقد ظهرت حركة يهودية في القرن السابع عشر عرفت باسم حركة (الهاسكالا) نتيجة لظهور الوعي الطبقي والثورات الشعبية في غرب أوروبا وقامت على أساسين: أولهما الولاء المطلق لرجال الكنيسة ورجال الحكم القائم حينئذ.. وثانيهما العداء السافر للحركات الشعبية التي استهدفت هدم النظام الاقطاعي الذي كان سائداً في اوروبا.. كما اهتمت هذه الحركة بإحياء اللغة العبرية القديمة وخلق وعي يهودي والارتفاع بالمستوى الثقافي والاجتماعي للجموع اليهودية وإبعاد الطبقة العاملة من اليهود عن الاندماج في الحركات الشعبية والثورية)).. فهم، في هذه المرة، حين ساندوا السلطة، إنما ساندوها ليعارضوا الحركات الشعبية التي، إذا انتصرت، لا تستقيم مصالحهم مع مصالحها، بالقدر الذي به تستقيم مع مصالح السلطة المتمثلة في الكنيسة، وفى أصحاب الإقطاع..
وبظهور الحركات القومية في اوروبا في منتصف القرن التاسع عشر ظهرت الحركة الصهيونية بين اليهود كحركة قومية، وقد كان من ضمن أغراضها جذب الطبقة العاملة اليهودية، وملء فراغها، والابتعاد بها عن الانغماس في الحركات الشعبية.. هذا إلى جانب الغرض الرئيسي بالطبع، وهو إنشاء الدولة اليهودية في فلسطين.. على أن تبدأ الخطة بالدعوة إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وذلك باستعمارها وامتلاك أرضها، وبمواصلة الهجرة المنظمة إليها.. وظهور الحركة ((الصهيونية)) لا يعنى أنها حركة جدَّت في حياة اليهود.. فقد سبق أن قلنا في هذا الكتاب إن اليهود يسمون القدس ((صهيون))، والأرض الموعودة، وجاءت من ذلك كلمة ((الصهيونية)) وهي تعني نداء الماضي للعودة إلى القدس، وبذلك فلا تكون الحركة ((الصهيونية)) نشأت في أواخر القرن التاسع عشر، وإنما انبعثت من جديد، بشكل تنظيمى جديد، على أثر ظهور كتاب الصحفي اليهودي النمسوي تيودور هرتزل عن الدولة اليهودية، ذلك الكتاب الذي أثار حماس اليهود، ونشر الدعوة إلى عقد مؤتمر للحركة ((الصهيونية)) فانعقد في عام 1897م، واتخذ قرارات بتنمية حركة الاستعمار اليهودي في أرض فلسطين، وكان بذلك البعث الحديث لحركة القومية اليهودية الهادفة إلى استعادة أرض فلسطين لإقامة دولة إسرائيل عليها..
وليس هناك شك في أن بعض اليهود ليسوا صهيونيين، وإنما هم يعتقدون تعليم أنبيائهم في الله، وفى دين التوحيد، ويفهمون معنى ((شعب الله المختار)) على نحو يمكن أن يكون بداية لقاء بين اليهود وبقية البشر، ولكن حركة الصهيونية أقوى من هؤلاء، وذلك لأن ميول النفوس البشرية تجد يسراً في الاستجابة لدواعي العنصرية، والتعصب، أكثر مما تجد في الاستجابة للنقاوة، وحرية الضمير.. ومن أجل ذلك، فإن حركة الصهيونية تمثل خطراً جسيماً، ليس على العرب فحسب، وإنما على العالم أجمع، وعلى اليهود أنفسهم.. وليس هناك سبيل لدرء خطر الصهيونية عن طريق الحرب، والسلاح، حتى وإن استهدف السلاح إفناء اليهود، ذلك بأن ما حصل من عنف، وبطش، وتقتيل، وسبي في عصور البشرية المظلمة لا يمكن أن يسمح له بأن يعاد في أيامنا هذه.. ومع ذلك فإن العنصرية اليهودية لم تزدد به إلا تمسكاً بتعصبها، وعمائها الشديد، ولقد استعرضنا في الصفحات السوالف طرفاً مما جرى لليهود من يوم دخولهم إلى أرض مصر في عهد الفراعين وإلى عام 134م حيث تم تحطيمهم، كأمة، على أيدي الرومان وبدأ تشتيتهم في أطراف الأرض، وغرضنا من هذا الاستعراض توكيد ضرورة اللجوء إلى أسلوب غير أسلوب الحرب لدرء خطر حركة الصهيونية، وذلك أمر سنعرض له فيما بعد إن شاء الله..