عالم الغد وما أدراك ما عالم الغد!؟ عالم واحد، تحكمه حكومة واحدة يسوده قانون واحد، تسكنه إنسانية واحدة، تقوم علائقها على العدل والرحمة، ويسعها السلام والحب، ويحركها للعمل حب الخير والجمال، فتعمر الخراب وتخصب اليباب وتعيد الفردوس المفقود من الأرض، وتفجر ينابيع الحب والجمال في قلب كل رجل وكل امرأة

محاضرة للأستاذ محمود محمد طه بنادي أمدرمان الثقافي سنة 1953م


مشكلة الشرق الأوسط

الفصل الخامس - العنصرية الاسرائيلية - الحركة الصهيونية

الفصل الخامس



العنصرية الاسرائيلية


لقد ورد في بعض الكتب قولهم ((ان روما سحقت الدولة اليهودية ولكنها لم تنل من العنصرية اليهودية)).
وفى الحق ان الناس ما عرفوا عنصرية كعنصرية اليهود في شدة تماسكها، وفى تعصبها، ويرجع السبب في ذلك الى عدة عوامل أهمها الدين.. فقد كان اليهود من سحيق الآماد طليعة ديانة التوحيد. وقد عايشوا امما عدة فلم يكن دين التوحيد الا عندهم هم. فقد عايشوا القبائل المختلفة في فلسطين قبل عهدهم بمصر وبعد خروجهم من مصر، وعايشوا من الامم المصريين، والآشوريين، والكلدانيين، والفرس، واليونان والرومان فما وجدوا عندهم غير الوثنية والمجوسية وعبادة قوى الطبيعة والحيوان والبشر، أحياء وأمواتا. وكانوا هم بفضل هذا التوحيد شعب الله المختار بحق. وقد تقرر هذا عندنا في القرآن كما تقرر عندهم في التوراة.. اما عندهم ففى أشعياء، الاصحاح الثالث والاربعين يقول ((لا تذكروا الاوليات، والقديمات لا تتأملوا بها. هأنذا صانع أمرا جديدا. الآن ينبت. الا تعرفونه. اجعل في البرية طريقا في القفر انهارا. يمجدنى حيوان الصحراء. الذئاب وبنات النعام لاني جعلت في البرية ماء انهارا في القفر لاسقى شعبى مختارى. هذا الشعب جبلته لنفسى. يحدث بتسبيحي)).
واما عندنا فعن الاصطفاء يقول تعالى ((يا بنى اسرائيل اذكروا نعمتى التي انعمت عليكم واني فضلتكم على العالمين)) وذلك من سورة البقرة، ويقول في آل عمران ((ان الله اصطفى آدم، ونوحا وآل ابراهيم، وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم)) واما عن التوحيد فقد قال تعالى ((أم كنتم شهداء اذ حضر يعقوب الموت؟ اذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى؟ قالوا نعبد الهك، واله آبائك، ابراهيم، واسماعيل، واسحق، الها واحدا ونحن له مسلمون)).
وفهم اليهود الخاطئ لعبارة ((شعب الله المختار)) هو الذي جر ولا يزال يجر عليهم المصائب، ويمنعهم من الاستجابة لنداء الحياة الملح بالتطور، وبالاندماج في ركب البشرية السائر بوسائل العلوم، وبوسائل ديانات التوحيد الى الوحدة، وكما بدا آنفا فقد كان اليهود طليعة دين التوحيد بهذه الصورة الجماعية، ولكنهم عندما ظنوا ان دين التوحيد يخصهم وحدهم أخطأوا، وانعزلوا، واستكبروا، فرفضوا المسيح عندما جاءهم بما لا تهوى أنفسهم، ورفضوا محمدا. وما كان ينبغى لهم ان يفعلوا ذلك لو تفطنوا، ذلك بان اتجاه التطور حتى في تعاليم أنبيائهم كان يستهدف إعدادهم لقبول دعوات التوحيد المتجددة، حين تظهر، وكلما ظهرت، وعلى يدي من تظهر على يديه. فرسالة ارميا التي وردت الاشارة اليها، وقول اشعياء في الاصحاح الثالث والاربعين الذي أوردناه آنفا يقومان دليلا على الا عذر لهم حين رفضوا المسيح ومحمدا. اللهم الا عذرا يقوم على العجز عن دقة الفهم عن النصوص المرنة، التي تحمل عديد الوجوه، يمد في هذا العجز، ويمهد له، تعصب عنصري لا يرى ان الخير يمكن ان يجئ من غير عنصر الاسرائيليين.. ففى أشعياء الاصحاح الحادى عشر يرد قوله ((ويخرج قضيب من جذع يسي وينبت غصن من أصوله ويحل عليه روح الرب. روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب ولذته تكون في مخافة الرب فلا يقضي بحسب نظر عينيه ولا يحكم بحسب سمع أذنيه بل يقضي بالعدل للمساكين ويحكم بالانصاف ولبائسي الارض ويضرب الارض بقضيب فمه ويميت المنافق بنفخة شفتيه ويكون البر منطقة متنيه والامانة منطقة حقويه.
((فيسكن الذئب مع الخروف ويربض النمر مع الجدي والعجل والشبل والمسمن معا وصبي صغير يسوقها والبقرة والدبة ترعيان. تربض أولادهما معا والاسد كالبقر يأكل تبنا ويلعب الرضيع مع سرب الصل ويمد الفطيم يده على جحر الافعوان لا يسوءوه. ولا يفسدون في كل جبل قدسى لان الارض تمتلئ من معرفة الرب كما تغطى المياه البحر ويكون في ذلك اليوم ان أصل يسي القائم راية للشعوب أياه تطلب الامم ويكون محله مجدا)).
ومثل هذا القول يمهد الطريق لقبول المسيح، ولقبول محمد، اذا وقع على اذن واعية، هذا مع ان كل الموعود به لم يتم على يدي المسيح، ولم يتم على يدي محمد، وانما يبقى منه ما يتم على يدي المسيح الاخير، الذي بمجيئه تتحقق الخلافة البشرية على الارض، كما تحققت يوم خلق الله آدم قبل ان يخطئ، فيزل، فيطرد. ولكن اليهود لم يفهموا فانتظروا المجئ الاخير (ولا يزالون ينتظرونه) ورفضوا الخطوات المؤدية اليه. ومن ههنا جاء انعزالهم، وجاء بعض ما يلقون من عنت، برفضهم المسيح، وبرفضهم محمد.
وفى اشعياء أيضا، في الاصحاح الرابع والخمسين يقول ((ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد، أشيدى بالترنيم أيتها التي لم تمخض لان بني المستوحشة أكثر من بني ذات البعل قال الرب. اوسعي مكان خيمتك ولتبسط شقق مساكنك لا تمسكي. أطيلي أطنابك وشددي أوتادك لانك تمتدين الى اليمين والى اليسار ويرث نسلك أمما ويعمر مدنا خربة. لا تخافي لانك لا تخزين. ولا تخجلي لانك لا تستحين. فانك تنسين خزي صباك وعار ترملك لا تذكرينه بعد. لان بعلك هو صانعك رب الجنود اسمه. ووليك قدوس اسرائيل اله كل الارض يدعى. لانه كامرأة مهجورة، ومحزونة الروح، دعاك الرب، وكزوجة الصبا اذا رذلت قال الهك. لحيظة تركتك وبمراحم عظيمة سأجمعك. بفيضان الغضب حجبت وجهي عنك لحظة وباحسان ابدي ارحمك قال وليك الرب. لانه كمياه نوح هذه لي. كما حلفت الا تعبر بعد مياه نوح على الارض هكذا حلفت الا أغضب عليك ولا أزجرك. فان الجبال تزول والاكام تتزعزع أما احساني فلا يزول عنك وعهد سلامي لا يتزعزع قال راحمك الرب)).
هذا القول يعني، فيما يعني، هاجر في مقابلة سارة. وهو بذلك اشارة الى العرب في مقابلة بني اسرائيل. ومن ثم فهو يبشر اليهود بمحمد ((ترنمي ايتها العاقرالتي لم تلد)) يعني لم تنجب نبيا غير اسماعيل في حين ان الانبياء كلهم من ولد سارة. فحين قال ترنمي ايتها العاقر التي لم تلد)) اشار الى أنجاب نبي من ولد هاجر، جدة فريق من العرب، وقد كان محمدا. ولكن الاسرائيليين قد أعمتهم عنصريتهم عن تقبل الحق الذي جاءهم به. وفى هذه الآيات يرد قوله تعالى، ((وويلك قدوس اسرائيل اله كل الارض يدعى)) ولكن اليهود لا يريدون ان يفهموا الا انه تعالى الههم وحدهم، وهم وحدهم شعبه. ومن ثم فإن ضلالهم بعيد، بعيد.
وفى ملاخي، الاصحاح الرابع يقول تعالى قولا واضحا، ((هانذا أرسل اليكم ايليا النبي قبل مجئ يوم الرب، اليوم العظيم، والمخوف، فيرد قلب الآباء على الابناء، وقلب الابناء على آبائهم، لئلا آتي واضرب الارض بلعن)) ((فأيليا النبي)) معرفا بالالف واللام هو محمد النبي الامي وخاتم النبيين. ولكن اليهود لا يعلمون. وهم لا يعلمون لانهم ظنوا ان التوراة، وان اليهودية خاصة بقوميتهم الاسرائيلية، وان الله الههم وحدهم، وليس لامم الارض فيه مشاركة. ومن ثم جاء ضلالهم، وبعدهم، وتعاليهم على الامم، مما جر عليهم، وعلى الامم الويلات والمصائب.

الحركة الصهيونية


بعد تخريب الرومان لاورشليم عام 134 ميلادية تفرق اليهود في وجه الارض وبقى منهم من بقى في فلسطين، وممن بقى المعلم يهوذا، وقد كتب حوالى عام 200 ميلادية القسم الاول والاهم من التلمود وهو ما يسمى (المشنا) ويتضمن تقاليد زعماء اليهود السماعية وفتاواهم. واما القسم الثاني من التلمود فقد كتب فيما بين عام 200 وعام 500 ميلادية وقد كتب خارج فلسطين.. كتب في بابل، وهو عبارة عن شرح وتفسير لما جاء في ((المشنا)) ولقد اوردنا آنفا نموذجا لما جاء في التلمود من وصايا يهودية هى من الدلائل على مدى التعصب العنصري ولا بأس من اعادتها هنا.. تقول ((أيها اليهودي.. اعتزل باقى الامم وابق على شخصيتك بينها واعلم أنك أنت الوحيد عند الله.. آمن بالنصر على العالم.. آمن بأن كل شئ سيخضع لك.. فاستغل.. وعش.. وانظر.. وانتظر))
ومن أسوأ ما يوحيه التلمود لبنى اسرائيل ان يعتقدوا ان كل الارض ميراث لهم يجب ان يستولوا عليها من الخوارج (ويعنون بذلك كل من عدا اليهود) ويجب ان تؤول اليهم السلطة على هذه الارض بكل وسيلة. كما ظهر لك من الفقرة الماضية، ولقد كان من دواعى هذا الشعور ان اليهود انعزلوا عن الشعوب التي عاشوا بينها، ولم يرتبطوا بولاء للارض ولا للسلطة التي عاشوا تحتها، وكثيرا ما اتهموا بالخيانة، اما للشعوب التي يعايشونها أو للسلطة.. فعندما ظهر الوعى الطبقى والثورات الشعبية في غرب اوربا في القرن السابع عشر ناهضها اليهود، وضلعوا مع السلطة يومئذ، وعن ذلك يحدثنا الاستاذ عبد الستار البدري في مقالة له بعنوان ((الصهيونية والعالم العربى)) ظهرت بمجلة القلم بعددها الخاص بحرب فلسطين وفيها يقول ((ولقد ظهرت حركة يهودية في القرن السابع عشر عرفت باسم حركة (الهاسكالا) نتيجة لظهور الوعى الطبقى والثورات الشعبية في غرب اوروبا وقامت على أساسين أولهما الولاء المطلق لرجال الكنيسة ورجال الحكم القائم حينئذ – وثانيهما العداء السافر للحركات الشعبية التي استهدفت هدم النظام الاقطاعى الذي كان سائدا في اوروبا – كما اهتمت هذه الحركة باحياء اللغة العبرية القديمة وخلق وعى يهودي والارتفاع بالمستوى الثقافى والاجتماعى للجموع اليهودية وابعاد الطبقة العاملة من اليهود عن الاندماج في الحركات الشعبية والثورية)). فهم، في هذه المرة، حين ساندوا السلطة، انما ساندوها ليعارضوا الحركات الشعبية التي، اذا انتصرت، لا تستقيم مصالحهم مع مصالحها، بالقدر الذي به تستقيم مع مصالح السلطة المتمثلة في الكنيسة، وفى اصحاب الاقطاع.
وبظهور الحركات القومية في اوروبا في منتصف القرن التاسع عشر ظهرت الحركة الصهيونية بين اليهود كحركة قومية، وقد كان من ضمن أغراضها جذب الطبقة العاملة اليهودية، وملء فراغها، والابتعاد بها عن الانغماس في الحركات الشعبية. هذا الى جانب الغرض الرئيسى بالطبع، وهو انشاء الدولة اليهودية في فلسطين. على ان تبدأ الخطة بالدعوة الى اقامة وطن قومى لليهود في فلسطين وذلك باستعمارها وامتلاك أرضها، وبمواصلة الهجرة المنظمة اليها. وظهور الحركة ((الصهيونية)) لا يعنى انها حركة جدت في حياة اليهود. فقد سبق ان قلنا في هذا الكتاب ان اليهود يسمون القدس ((صهيون))، والارض الموعودة، وجاءت من ذلك كلمة ((الصهيونية)) وهى تعني نداء الماضى للعودة الى القدس، وبذلك فلا تكون الحركة ((الصهيونية)) نشأت في أواخر القرن التاسع عشر، وانما انبعثت من جديد، بشكل تنظيمى جديد، على أثر ظهور كتاب الصحفى اليهودي النمسوى تيودور هرتزل عن الدولة اليهودية، ذلك الكتاب الذي أثار حماس اليهود، ونشر الدعوة الى عقد مؤتمر للحركة ((الصهيونية)) فانعقد في عام 1897، واتخذ قرارات بتنمية حركة الاستعمار اليهودي في أرض فلسطين، وكان بذلك البعث الحديث لحركة القومية اليهودية الهادفة الى استعادة أرض فلسطين لاقامة دولة اسرائيل عليها.
وليس هناك شك في ان بعض اليهود ليسوا صهيونيين، وانما هم يعتقدون تعليم انبيائهم في الله، وفى دين التوحيد، ويفهمون معنى ((شعب الله المختار)) على نحو يمكن ان يكون بداية لقاء بين اليهود وبقية البشر، ولكن حركة الصهيونية أقوى من هؤلاء، وذلك لان ميول النفوس البشرية تجد يسرا في الاستجابة لدواعى العنصرية، والتعصب، أكثر مما تجد في الاستجابة للنقاوة، وحرية الضمير. ومن أجل ذلك، فان حركة الصهيونية تمثل خطرا جسيما، ليس على العرب فحسب، وانما على العالم أجمع.. وعلى اليهود أنفسهم. وليس هناك سبيل لدرء خطر الصهيونية عن طريق الحرب، والسلاح، حتى وان استهدف السلاح افناء اليهود، ذلك بأن ما حصل من عنف، وبطش، وتقتيل، وسبى في عصور البشرية المظلمة لا يمكن ان يسمح له بأن يعاد في أيامنا هذه. ومع ذلك فأن العنصرية اليهودية لم تزدد به الا تمسكا بتعصبها، وعمائها الشديد، ولقد استعرضنا في الصفحات السوالف طرفا مما جرى لليهود من يوم دخولهم الى ارض مصر في عهد الفراعين والى عام 134م حيث تم تحطيمهم، كأمة، على أيدى الرومان وبدأ تشتيتهم في أطراف الارض، وغرضنا من هذا الاستعراض توكيد ضرورة اللجوء الى أسلوب غير أسلوب الحرب لدرء خطر حركة الصهيونية، وذلك أمر سنعرض له فيما بعد ان شاء الله.