في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

مشكلة الشرق الأوسط

بسم الله الرحمن الرحيم
(ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)
صدق الله العظيم


مقدمة


إنّ الهزيمة العسكرية التي منيت بها الجيوش العربية في صحراء سيناء في مستهل يونيو الماضى لهي هزيمة لا ضريب لها في تاريخ العرب القديم ولا الحديث.. وبحسبك منها أنّها هزيمة عرّضت العرب لزراية الأعداء، واِشفاق الأصدقاء، وأنت لا تجد بين قرني زراية العدو واِشفاق الصديق موضع كرامة لنفس الكريم..
ومع ذلك، فإن هذه الهزيمة ليست نهاية الدنيا.. إنما هي نهاية عهد، وبداية عهد.. هي بداية عهد يدخل به العرب التاريخ الحديث كما دخل أوائلهم التاريخ القديم، وهو مدخل سيؤرخ تحولاً في مجرى تطور الحياة البشرية على هذا الكوكب أكبر، بما لا يقاس، من ذلك التحول الذي صحب دخول أوائلهم التاريخ القديم، وذلك قبل ما يشارف الأربعة عشر قرناً من الزمان..
إنّ العبرة البالغة التي انفرجت عنها أذيال الحرب العالمية الثانية تجد تعبيرها في الحقيقة الكبرى وهي أن القافلة البشرية، في كل صقع من أصقاع هذا الكوكب، قد اقتلعت خيامها، وأخذت في السير، وهي، في كل خطوة من خطوات هذا السير، تصنع التاريخ وتصنعه على هدى جديد، فبعد أن كان التاريخ يمليه في أغلب الأحيان على تلاميذه ومسجليه الملوك، والسلاطين، وقواد الجيوش، ودهاقن السياسة، وأرباب الثروة، وهم يتصرفون في مصير الإنسان، أصبح يمليه عليهم الآن رجل الشارع العادى، المغمور، وهو يبحث عن كرامة الإنسان حيث وجد الإنسان..
والعرب اليوم – شأنهم في ذلك شأن البشرية التي تعمر هذا الكوكب – يقفون في مفترق الطرق.. فهم إما أن يدخلوا التاريخ الجديد بفكر جديد، كما دخل أوائلهم التاريخ بفكر كان على عهدهم جديداً، أو أن يخرجوا من التاريخ، كما خرجت شعوب من قبل، طال عليها الأمد، ففقدت حيويتها، وعجزت عن المواءمة بينها وبين بيئتها..
إنّ الأخطاء العسكرية، والسياسية، والفكرية، التي اتَسمت بها مواقف العرب في أعوام 1948م، 1956م، 1967م، إذا اٌخذت في حد ذاتها، تشكل نذيراً خطيراً بسوء المنقلب، ولكنها، لحسن الحظ، لا يمكن أن تؤخذ بمعزل عن السلسلة التي هي حلقة فيها، وهي، في ذلك، حلقة لا تمثل داء الأمّة العربية، وإنما تمثل أعراض ذلك الداء..
وهذه الأخطاء البشعة، التي هي أقرب إلى نزوات المراهقين منها إلى أفكار الرجال الأسوياء هي التي تدلنا، أبلغ الدلالة، على أن العرب يواجهون اليوم تحدى التاريخ وأنهم يقفون بذلك على مفترق الطرق.. وليس هناك طويل وقت ليصرف في المحاولات التي لا تتسم بميسم الحذق والذكاء.. فإن علينا أن ندخل التاريخ منذ اليوم كما دخله أوائلنا، أو أن نخـرج من التاريخ، لبقية التاريخ..
وأوائلنا!! هل دخلوا التاريخ كعرب؟؟ كلا! وألف كلا!.. إنما دخلوه بعد أن منّ الله عليهم فأصبحوا مسلمين.. وعلَمهم الإسلام ما طامن من غلوائهم، ومن اعتزازهم بعنصرهم، فقال: ((الناس لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم)) وقال: ((ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى)) وقال: ((يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوباً وقبائل، لتعارفوا، إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم، إن الله عليم خبير))..

ها هنا أصل الداء!! إن العرب يريدون أن يقيسوا قامتهم، كعرب، إلى تحديات عصرهم الحاضر، وليس لقامتهم تلك، ههنا، غناء، فإن تحديات العصر ارتفعت إلى صراع الأفكار والمذاهب، وخلفت وراءها، بأمدٍ بعيد، العنصريات..
ليت شعري!! متى يخرج العرب من التيه الذي يضربون فيه الآن؟ متى يعلم العرب أنهم مسلمون، وأنّهم ورثة المصحف الشريف، وأنهم، من ثمَ، أصحاب رسالة كتب الله على نفسه ألا ينجِّي الإنسانية بمفازتها إلا بها؟
أنا زعيم بأنّ الهزيمة المنكرة التي تعرضنا لها أخيرا في ميداني الحرب والسياسة إنما جاءت بصورة حادة لأن اللّه قد كلمنا بحوادث عام 1948م فلم نفهم، ثم كلمنا بحوادث 1956 م فلم نفهم، وها قد كلمنا بحوادث 1967م بصورة بليغة، وفصيحة، وإني لأرجو أن نفهم الآن عن ربنا فهماً يغنينا عن إعادة كلامه علينا بهذا الأسلوب مرة رابعة..
وما ينبغي أن نفهمه عن اللّه، من كلامه هذا هو أن العرب لن ينتصروا على عدوٍ إلا إذا رجعوا إليه تعالى - إذا انتصر الناس بغير طريق الإسلام فإن العرب لن ينتصروا بغير طريق الإسلام ـ ذلك بأنّ الدلائل تدلّ على أن موعود اللّه قد دنى، وأظلّ الناس أوانه.. موعوده حيث يقول، تبارك من قائل: ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى باللّه شهيدا)).. وفى وقتنا الحاضر فإن الآية التي صدرنا بها هذا السفر تبحث عن ظهـورها، وهي تبحث عن ظهورها عند العرب أولاً، ريثما تبحث عن ظهورها على الأرض كلها، وتلك الآية هي قوله تعالى:
((ومن يبتـغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه، وهو، في الآخرة، من الخاسرين)) وقد ابتغى العرب غير الإسلام، والتمسوا النصر عند غير اللّه، فما نجعت حيلة، ولا أسعف صديق، فانقلبـوا في الآخـرة خاسرين، وقـد أنى لهـم أن يفهمـوا، وأن يتعظـوا، وأن يرجعـوا إلى دينهـم، وإلى ربهـم..
إن اللّه غيورٌ على العرب في القرن العشرين، كما كان غيوراً عليهم في القرن السابع، فهو قد حمّلهم رسالة الإسلام يومئذ فلقحوا بها المدنية الفارسية في الشرق، والمدنية الرومانية اليونانية في الغرب، وهو سيحمّلهم رسالة الإسلام اليوم ليلقحوا بها المدنية الشيوعية في الشرق، والمدنية الرأسمالية في الغرب..
إن العرب سيدخلون التاريخ كما دخله أوائلهم، وبأفضل مما دخله أوائلهم، وهم في يومهم هذا كأمسهم ذاك، لن يدخلوا التاريخ كعرب، وإنما سيدخلونه كمسلمين، يحملون رسالة الإسلام – رسالة السلام – إلى عالم لا تتجسد حاجته في شئ كما تتجسد في ابتغاء السلام – وهذا العالم هو أيضا يقف اليوم في مفترق الطرق، وليس هناك طويل وقت ليصرف في المحاولات القواصر.. فإن أمام الإنسانية اليوم إحدى اثنتين: إما أن تسلك الطريق الصاعد إلى درجات السلام فتعيش عيشة الإنسان، أو أن تسلك الطريق الهابط إلى دركات الحرب فتعيش عيشة الحيوان، أم هل عساها ألّا تظفر حتى بعيشة الحيوان؟؟
الهزيمة الأخيرة، رغم بشاعتها، هي هدية اللّه للعرب!! هي نعمة في ثوب نقمة!! سيجد العرب الآن أنفسهم مضطرين ليجلسوا، وليفكروا في أخطائهم الكثيرة، وسيحدثون توبة نصوحاً، بها تتم، إن شاء اللّه، رجعتهم إلى اللّه، ورضاهم به، وتقبلهم عنايته.. فإنه رب ضارّة نافعة، ولو قد خُيّر العرب لاختاروا أن ينتصروا على دولة اسرائيل، وأن يلقوا بها في البحر، ونحن نفضل لهم هذه الهزيمة، لأن النصر، بالطريقة التي تروقهم، كان سيمدُّ لهم في الضلال، ويباعد بينهم وبين رسالتهم، ويصرف نظرهم عن عدوهم الحق، فإن دولة إسرائيل ليست عدوة العرب.. وإنما العرب أعداء أنفسهم بما انصرفوا عن اللّه، وبما التمسوا العز والنصر – عند غير اللّه، وبما استطابوا من اضطجاع في مراقد الجهل والغفلة.. ومن يدري فقد تكون دولة إسرائيل صديقاً في ثياب عدو؟ قد تكون بمثابة الكرباج الذي يوقظ العرب من هذا الغطيط الثقيل الذي لبث أحقاباً طوالا؟
كما قلنا، فإن هزائم العرب أمام دولة إسرائيل ليست الداء، وإنما هي أعراض الداء.. هي كالألم يشكوه المريض.. فليس الألم هو المرض، وإنما هو دلالة عليه.. وكما أن الطبيب الماهر لا يسكِّن الألم بتخدير المريض، إلا إذا زاد عن طوق الاحتمال، وإنما يسترشد به إلى جذور الداء، ليطب له طبا شافياً وافياً، فكذلك نحن، لا نريد أن نخدِّر الألم، وإنما نريد أن نسترشد به إلى تشخيص أصل الداء الذي نهك جسم الأمّة العربية طوال هذه الحقب السوالف من تاريخها الطويل..
إن كتابنا هذا لن يكون، إذن وصفة لدواء يخدر المرض، وإنما سيكون، بعون اللّه وتوفيقه، وصفة لدواء يجتثُّ المرض من جذوره.. وعند اللّه نلتمس التسديد إلى التي هي أقوم، في الفكر، والقول، والعمل..