في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

مشكلة الشرق الأوسط

الإسلام


خلاصة الحل الآجل، في كلمة واحدة؟ ((الإسلام!!)) ولكن ما هو الإسـلام؟ هو ما عبر عنه القرآن الكريم ((بدين الحق ـ الله)) وذلك حين قال ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفي بالله شهيدا)) ولكن ما معنى هذا؟ معناه ما عبر عنه المعصوم حين قال :((الإسلام دين الفطرة)) وذلك أخذاً عن قوله تعالى: ((فأقم وجـهك للدين حنيفاً، فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، ذلك الدين القيـِّم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون)).. ثم قال في تفسير الفطرة: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)).. تأمل!! كل مولود!! لم يقل كل مولود من أبناء المسلمين!! لأنه يعني كل مولود بشري.. فإن الله تبارك وتعالى قال ((فطرة الله التي فطر الناس عليها)) فالناس كلهم كفصيلة، يختلفون عن فصـائل الحيـوان الأخرى.. ولكنهم يتفقون فيما بينهم في الفطرة!! فالفطرة هي العقل!! فالناس حيث وجـدوا، وكيفما وجدوا، يتفقون فيما بينهم في أن لهم عقولا.. ومهما كان مستوى هذه العقول، فإنها، في أدناها، تميز بها أدنى الناس عن أعلى الحيوان.. ((كل مولود يولد على الفطرة)) يولد بقلب سليم، وعقل صافي.. وهو ما نعرفه عن براءة الطفولة.. ولكن لا عبرة بسلامة قلبه، وصفاء عقله، لأنهما صفحة بيضاء، بلا تجارب ولا خبرة.. فإذا عايش الطفل المجتمع، مبتدئاً بأبويه، بدأت تجاربه، وأخذ دينه.. وهو، في الغالب، على دين أبويه، وهذا معنى قوله ((فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه)) ثم هو إذا درج حتى بلغ سن التكليف أصبح وقد اكتسب من المجتمع الصغير ومن المجتمع الكبير تجاربه، ولكن الفطرة تكون حينئذ قد انمّسخت، فانحرف القلب عن سلامته، وانكدر العقل عن صفائه.. فجاءت العادات الرديئة التي يتعلمها الإنسان من الوسط الذي يعيش فيه.. الحرص، والبغض، والجبن، والرياء، والنفاق، والكذب، والعنف، والكبرياء، والادِّعاء، إلى آخر هذه المذام التي جمعها قوله تعالى، ((كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون)) يعني غطى قلوبهم ما اكتسبوه من سيء العادات، ولئيم الطباع أثناء خوضهم في معترك الحياة الاجتماعية التي تحيط بهم.. ((فالرين)) الطبع والدنس.. فإذا ران على القلب الطبع اللئيم انشل العقل عن الفكر السليم.. وهذه هي آفة البشرية اليوم التي أغرت بينها العداوة ولا تزال تغريها.. وحاجة البشرية اليوم إلى السلام على هذا الكوكب هي حاجة حياة أو موت..
أصبح على البشرية، على هذا الكوكب، بعد أن صاروا جيراناً، أن يتعلموا كيف يتعايشون، إن لم نقل يعيشون، مع بعضهم البعض في سلام.. بعد أن ظلوا يتحاربون طوال تاريخهم، المكتوب وغير المكتوب، حتى لقد بلغوا بأسلحة الحرب مبلغاً يهدد الحياة كلها على هذا الكوكب، إن لم ينتصر فيه السلام على الحرب..
وهذه هي وظيفة الإسلام، في مستوى ما هو دين الفطرة.. لأن غرض الإسلام أن يرد الناس إلى سلامة القلب وصفاء العقل، وذلك برفع الرين المكتسب في معترك الحياة كما أسلفنا.. قال تعالى في حاجته إلى سلامة القلوب: ((واغفر لأبي إنه كان من الضالين * ولا تخزني يوم يبعثون * يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من آتى الله بقلب سليم)) سليم من الانقسام الذي يسببه سوء الطبع المكتسب.. فإذا سلم القلب فقد صفا الفكر.. وصاحب القلب السليم، والفكر الصافي، قد حقق السلام مع ربه، ومع نفسه، ومع أخيه الإنسان ـ طوبى له، وحسن مآب..
فوحدة البشرية على هذا الكوكب، وسلامها إنما طريقهما التفكير المستقيم..
والإسلام، في مستوى ما هو دين الفطرة، موكل بتحقيق التفكير المستقيم.. حتى إن جماع تكاليف الإسلام، في شريعة عبادته، وفي شريعة معاملته، إنما هو التفكير المستقيم.. قال تعالى ((وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزّل إليهم ولعلهم يتفكرون))..
إن الإسلام، في هذا المستوى، ليس ديناً بالمعنى المألوف في الأديان، وإنما مرحلة العقيدة فيه مرحلة انتقال إلى المرحلة العلمية منه.. وليس ههنا مجال التفصيل.. فقد أفرد الحزب الجمهوري لهذه الدراسة كتابا باسم ((الرسالة الثانية من الإسلام)) هو الآن بين أيدي القراء، فليراجع..

عودة الإسلام


أمام عودة الإسلام عقبات كثيرة، نذكر منها إثنتين: دعوة القومية العربية، والدعوات السلفية إلى الإسلام.. فأما القومية العربية فقد أسلفنا طرفاً من الحديث عنها، وقلنا إنها دعوة عنصرية في وقت خلّفت البشرية فيه الدعوات العنصريات وراءها، وأخذت تستقبل عهد الصراع الفكـري، والمذهبي. ويزعم أنصار هذه الدعوة أنها ليست عنصرية بحجة أنها دعوة لا تستعلي بعنصريتها على أحد، ولا هي تدعو لاضطهاد العنصريات الأخريات.. وأمرهم في هذا جد يسير، فكونها لا تذهب في شطط العنصرية إلى هذا الحد البشع لا ينفي عنها كونها عنصرية.. وقد ينفي عنها كونها عنصرية متطرفة.. ونحن لا نريد الدعوات العنصريات وإن كانت موزونة، ومعتدلة وذلك لأنها لا تقوم على مذهبية.. وأسوأ من ذلك، فإنها تصبح مطية ذلولاً حتى للدعوات الإلحاديات الفاجرات.. ويكفي أن القومية العربية هي اليوم مطية للشـيوعية الدولية متقمصة اسماً جذاباً للعرب، وحبيباً إلى نفوسهم ((الاشتراكية العربية))
أما القومية العربية، عند البعثيين في سوريا، فإنها دعوة بادية العداوة للإسلام.. وهي، في هذا المضمار، شر من الشيوعية الدولية، لأن خطرها ملبّس على العرب.. وما هكذا الشـيوعية.. هذه الدعوة يجب أن تُعرَّى ويكشف مبلغ تضليلها للعرب..
وأما الدعوات السلفية للإسلام، فإن أمرها ضعيف، وهي بالطبع ستصرف الناس إلى حين عن الفهم الصحيح للدين.. ولكن، لأنها لا تنطوي على فكر، ولا تملك سلطة على رقاب الناس، فلن يطول الوقت الذي تتكشف فيه جهالاتها..
إن الإسلام لن يعود ببعث الشريعة الإسلامية، ولا بالدستور الاسلامي الذي يتحدثون عنه بغير فهم، ولا عقل، وإنما سيعود ببعث ((لا إله إلا الله)) لتكون خلاّقة في صدور الرجال والنساء، كما كانت أول مرة، حين انبعثت في القرن السابع الميلادي، في أرجاء الجزيرة العربية على يدي النبي، الأمي، محمد بن عبد الله، وببعثها هكذا يبعث الرجال، والنساء، من هذا الموت الذي يعيشونه..
ويرتفع عمود التوحيد، من جديد، إلى مستوى جديد، ينكره حتى الذين يدّعون اليوم لأنفسهم التوحيد.. وبذلك تتحقق النبوءة العظيمة ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ.. فطوبي للغرباء!! قالوا: من الغرباء يا رسول الله؟؟ قال: الذين يحيون سنتي بعد اندثارها!!)) يومئذ يتحقق النبأ العظيم..
سيعود الإسلام بالفهم الواعي، الرشيد للإسلام، ثم بالتبشير به!! لأن الفهم الواعي، الرشيد، سيخلص إلى علومه المكنونة، والتبشير به سيعرضه في مستوى حل مشاكل البشرية المعاصرة الضاربة في التيه وقد لفتها الحيرة.. في مستوى حل مشاكل الأفراد، والجماعات، وذلك أمر قد فصلّنا فيه، نحن الجمهوريين، القول في كتب عديدة أدخلها في هذا الباب ثلاثة:
* طريق محمد..
* رسالة الصلاة..
* الرسالة الثانية من الإسلام..

وعلى الله قصد السبيل..