في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

التعليم

التعليم الخلقى


أولا يجب أن نفهم النشء بالأخلاق، بدون ان نسميها أخلاقا.. يجب أن يكون تعليمنا بالقدوة، لا بالكلام.. والدين، من حيث هو، من أكبر وسائل تعليم الخلق الجميل، والدين الإسلامى، بشكل خاص، على ألا يكون تعليمه مستقلا عن النشاط اليومى، في التعليم المهنى، أو في الألعاب أو خلافه، وإنما يكون متلبسا بكل أولئك. يجب ان يعلم الدين بسير الرجال الصالحين، حتى ولو كانوا غير مسلمين، فبإبراز قيم السلوك الإنساني التي عاشها العظماء، من مسلمين، وغير المسلمين ترسخ في أذهان الطلاب النماذج البشرية الممجدة..
ثم يجب أن تكون حياة المعلمين نموذجا حيا للخلق القويم.. ويجب الحذر، كل الحذر، من فصل التعليم إلى، تعليم ديني، وتعليم مدني، ينتظر فيه من رجال الدين، من إستقامة الخلق، ما لا ينتظر من رجال التعليم المدني.. إن الأخلاق، في حقيقتها، هي حسن التصرف في الحرية الفردية، وهي بذلك حق على كل فرد.. ويجب علينا جميعا أن نعين بعضنا بعضا على تحصيلها وذلك لأهميتها الفردية، والجماعية.. ولما كان الدين عامة، والإسلام خاصة، أكبر أسلوب يعين على تحصيل الأخلاق، بوصاياه، وبقرآنه، وبعبادته، وبسيرة نبيه، وأصحابه، وجب علينا أن نولي الدين إهتماما خاصا، لنحقق به التربية الخلقية.. على أنا يجب أن نميز بين القضايا الفقهية التي تلقن في المعهد الدينية الحاضرة، وبين (روح الدين) فإن روح الدين البسيطة، المنبعثة من القول البسيط (لا إله إلا الله)، هي شعار التربية لأنها تدعو إلى الحرية، وترسم الطريق إلى الخلق الذي يليق بالأحرار، وهو ما عنيناه بحسن التصرف في الحرية الفردية..
وأما تعلم القضايا الفقهية، على نحو ما يمارس في المعاهد الآن، فهو مهنة، كسائر المهن، ولا يحتاجه المجتمع الذي ندعو إليه.. نعم!! سنحتاج إلى رجال قانون، ولكنهم لن يكونوا بالصورة الحاضرة، لأننا لن نعمل على قيام محاكم شرعية، ومحاكم جزئية، وإنما سيكون التشريع موحدا أيضا..
سيكون التشريع مبنيا على القيم الإنسانية الرفيعة، وهي القيم التي نعلمها في معاهدنا، ومنازلنا، ونطلبها من كل مواطن مهما كان دينه، ومهما كانت مهنته، بغير تمييز في ذلك..
يجب أن يشرف على التعليم جهاز واحد، وهو وزارة المعارف.. ويجب أن يوحد التعليم، في برامجه ومناهجه، حتى تنشأ عنه قومية موحدة الفكر، والخلق، والزى، والعادة..
ما أحب أن يفهم من وضعي للتعليم الخلقي تحت عنوان منفصل أني أعنى أن يكون تعليم الأخلاق مستقلا عن تعليم المهنة، فإنى أعتقد أن التعليم المهنى الصحيح هو التعليم الذ يوحد بين المهارة الفنية، والقيم الخلقية، التي تبعث على العمل المهنى.. وهناك حديث مأثور عن النبى في هذا المعنى وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شىء.. فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة.. وليحدد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته).. ففى كل عمل هناك اعتبار يتعلق بالآخرين، فيجب توخى العدل فيه، وتوخى الرحمة.. فإذا ما توكد هذا المعنى، في كل مهنة، أصبحت الأخلاق كالروح، تتلبس جسد كل عمل، وكل مهنة، مهما دقت، وصغرت.. قد تكون هذه الإقتراحات كثيرة على وزارة المعارف لأنها تدخل في إختصاصها أمرا ليس في المألوف دخوله.. ولكنى لا أقترح، وأنا مقيد بالمألوف، وإنما أقترح وأنا متطلع للكمال الممكن.. وهذه المقترحات فيها كمال ممكن.. والحق أن عمل المعارف هو أكبر عمل يؤثر على الأفراد تاثير بالغا.. فإذا اقترحنا توسيع إختصاصها لتشمل جميع المرافق الإجتماعية، والإقتصادية، والصحية، فليس ذلك بالغريب.. فإن هو لم يكن مألوفا فقد يجب السعى لجعله كذلك، ما دام مكفولا، وممكنا.. ثم أن هذا تخطيط لم يعط إلا الخطوط العريضة جدا لما في ذهنى عن التعليم.. ولقد اضطررت إلى الإكتفاء به لضيق وقتى، وإلا لذهبت في الحديث عن القيم التعليمية في نظام الحكومة المحلية، وفى ممارسة الديمقراطية، وفي حركات الكشافة، ومنظمات الشباب، والشابات، فألحقها بصلب التعليم النظامى، وطلبت إلى وزارة المعارف أن يكون لها في الإشراف عليها جميعا اليد الطولى..
أرجو الا أكون قد أضعت وقتك سدى، وسلامى عليك..

المخلص
محمود محمد طه



الأخوان الجمهوريون
أم درمان ص.ب 1151
تلفون 56912
الثلاثاء 24 فبراير 1976م
يوافق 24 صفر 1396 هــ