((لا تحسبن الكيد لهذه الأمة مأمون العواقب، كلا !! فلتشهدن يوما تجف لبهتة سؤاله أسلات الألسن، يوما يرجف كل قلب، ويرعد كل فريصة.. أما بعد: فهذا نذير بين يدى صاخة، تمزق مسامع من أصمّه الطمع))

الأستاذ محمود محمد طه - 1946




اﻟﻬﻮس الدﻳﻨﻲ يهدد أمن ووحدة الشعوب ويعوق بعث الإسلام

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
«قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً * الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً؟؟» صدق الله العظيم ..


المقدمة:


إنّ موجة الهوس الديني التي تجتاح العالم الإسلامي اليوم، لهي ظاهرة تستوقف النظر، وتشغل الفكر، وتقبض النفس، لما تنذر به من سود العواقب، وما تنطوي عليه من شر، ومن سوء، ينتهك القيم الإنسانية، ويهدر دماء الأبرياء، ويهدد كل تقدّم، وخير يرجى للإنسانية على يدي الدين، في هذه الأرض التي أخذت تهتز، وتربو، إيذاناً بتتويج ميراثها الحضاري والديني بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من فيوض الخير، وتنزّل البركات، وتحقيق الكمالات الروحية والمادية، التي هي قدر الإنسان، ومصيره المحتوم ..
ولكن كل هذا الحلم الكبير مهدد، ومحفوف الآن بالهوس، والفتنة التي لا تصدر إلا العنف، والقتل والإرهاب، وامتهان كرامة الإنسان، هذا الهوس الذي يمارس الآن في غفلة من سيادة الفكر، وفي غيبة من الوعي، باسم الإسلام، من أناس جهلوا حقيقة الإسلام، وجانبوا صفاء معينه، فأخذوا يصدرون عن كدورة قلوبهم، ورعونة أنفسهم .. وكل ذلك نحن نريد أن نبرّئ منه الإسلام، ونريد أن ندق به ناقوس الخطر، في بلادنا، وفي بلاد العالم الإسلامي أجمع، لنأخذ حذرنا، فلا نفرّط في حرّيتنا الدينية والفكرية، ولا نسلّم كرامتنا، وعزّتنا، طوعاً، أو كرهاً، لأناس ما قدروا الله حق قدره، ولا رعوا للإنسانية حرمة ..
إنّنا في هذا الكتاب نسوق أمثلة عن الهوس الديني عامة، ولكنّا نركّز، بصورة خاصة، على تنظيم الأخوان المسلمين، وعلى تنظيم الوهابية .. ونركّز بصورة أخص، على الممارسة البدائية الخاطئة لدى «الفتنة» التي ألقت بكلكلها على إيران، وأسمت نفسها زوراً، وبهتاناً: «الجمهورية الإسلامية» وأخذت تخرق كل عرف طيب، وتهدر كل قيمة إنسانية راسخة .. وتقتل الناس بالجملة، وبمحاكمات صورية يسخر رئيس الدولة من مطالبة ضحاياها بحق استئناف أحكامها، ويقول إنّه سعيد بعمليات الإعدام التي تجريها. اقرأ كتابنا – «الخميني يؤخر عقارب الساعة» .. كما تجري باسم هذا الهوس الديني تصفية التنظيمات السياسية بالقوة، وباسم الثورة الثقافية الإسلامية، وتخرق المواثيق الدولية، والأعراف الدبلوماسية العريقة، وينذر النوّاب المنتخبون بالفصل من البرلمان، إن هم لم يسيروا في الخط الذي يريده، ويراه الخميني، مهما كان قصور هذه الرؤية، كل ذلك باسم الإسلام!!
والأسوأ من ذلك، أن ينادي مناد هنا، في السودان: «إيران .. إيران .. في كل مكان»!! وهل يمكن أن يكون هذا غير تنظيم الأخوان المسلمين الذي أعلن رئيسه الترابي، على رؤوس الأشهاد، مباركته لحركة الخميني، وذلك في مؤتمر التخطيط الثقافي – فبراير ١٩٧٩م وخرجت مظاهرات تنظيمه، وعقدت ندوات بعد ذلك تأييداً لهذا الهوس الأعمى؟!!
إنّ الأخوان المسلمين هم في بلادنا رصيد الهوس الديني وركيزته .. وبلادنا هذه تعيش وضعاً دقيقاً وحساساً لا يحتمل المزايدة باسم الدين التي يمارسها تنظيم الإخوان المسلمين ومن سار سيرتهم .. ولقد رأينا كيف أطلّت الفتنة الدينية، وأوشكت أن تنفجر بمعرضهم الذي أقاموه في فبراير ١٩٨٠ بميدان أبي جنزير على مسمع، ومرأى، وبدعم من وزارات في الدولة، وقد سخّر ذلك المعرض لافتعال معركة بين المسيحيين والإسلام، إذ علّقت الصور، ووزعت المنشورات، التي تثير الفتنة بين ابناء البلد الواحد الآمن، لتدفع بهم إلى أتون حرب أهلية لا تبقي ولا تذر.
ولقد رأينا في الأيام القليلة الماضية ثمرة جهالة الأخوان المسلمين في مصر، وبعدهم عن الحكمة، وتعجلهم الاستحواذ على السلطة، مما كان نتيجته الأزمة الطائفية بين المسيحيين والمسلمين هناك، والتي انتهت إلى قتل، وفوضى، وأزمة سياسية، واجتماعية هزّت نظام الحكم في مصر، ولمّا تزل تهزه، وتهدد استقراره .. إننا لا نريد لبلادنا، ولا لمصر، ولا لأي بلد إسلامي، بل لا نريد للعالم أجمع أن تعصف بمكتسباته مثل هذه الجهالات الدينية التي أخذت تفرض وجودها بحد السنان، وتدّعي الولاية على الناس باسم الله ..
إنّ الجهل بالدين، عند المتديّن، إنّما يورث مستويين من الخلل الفكري، المضر، بالفرد والمجتمع، أشد الضرر.
أوّلهما التعصب الديني .. وهذا يجعل صاحبه منكفئاً على نفسه، منغلقاً على مبلغه من العلم، مهما كان يسيراً، ومشوشاً، ومنحرفاً .. فهو لا يسمع لغيره، ولا يجد في نفسه الاستعداد، والسعة لاحتمال أن يكون الحق عند غيره، ولذلك فإنّه يضيق صدره بمخالفيه في الرأي، ولا يلقاهم إلا بالتشنّج، والعنف، إذا ما هم أرادوا إدارة حوار معه، أو أرادوا له هداية .. وهذا المستوى هو ما عليه، في العادة، أتباع الطائفية التي تجمّد فيهم الوعي وتعطّل الفكر، ليظلّوا رصيداً لها، ينفّذون إشارة زعمائها، ويموتون في سبيلهم .. والأمثلة على ذلك كثيرة، وكان آخرها أحداث الجزيرة أبا، والغزو الليبي ..
وثانيهما: هو الهوس الديني وهو الذي يجنّد فيه الأتباع ويصاغوا صياغة توهمهم بأنّهم أوصياء على الآخرين، ويحملونهم بالعنف على ما يعتنقونه هم من مذهب، بل يسفكون دماء الأبرياء، من المسلمين ومن غير المسلمين، بدعوى الجهاد في سبيل الله، غير عالمين بشروط الجهاد، ولا بمرحليته .. وغير مدركين لعمق رعاية الإسلام لحرمة النفس حتى لقد جاء في الحديث الشريف: «لأن تنقض الكعبة حجراً حجراً، أهون عند الله من سفك دم امرئ مؤمن بغير حق» ..
إنّ الشر كلّه إنّما يجئ من جهل الناس بالدين .. ودعوة الأخوان المسلمين ناقصة، ودعوة الشيعة أيضاً ناقصة، والوهابية أكثر نقصاً، وكل دعوة دينية ناقصة إنّما هي فتنة – هي فتنة لأنّها تريد أن تفرض نقصانها على الناس، ولأنّها تستغل اسم الله .. وهي فتنة بهذا الاعتبار لأنّها تستطيع أن تضلّل الناس، والشباب منهم بصورة خاصة، وتلك ظاهرة تسترعي الانتباه في مصر، وفي السودان.
إنّ هذا الهوس لا يدرأ خطره إلا بتسليط الضوء عليه .. ضوء الفكر الديني الواعي .. وذلك إنّما يتم بفتح مجال الحوار، ووضع الأسس، والضوابط، التي يجري على هداها هذا الحوار .. وفي مقدمة ذلك التزام جميع الأطراف بالموضوعية، وبالنهج العلمي، وبطرح تصوّر محدد لمعالجة القضايا الأساسية في المجتمع .. ولقد شرحنا وجهة نظرنا حول هذا الأمر في كتب عديدة نذكر منها: «المنابر الحرّة» و«الصلح خير» و«أزمة الجامعة، الحل العاجل والحل الآجل» ..
فعن طريق الحوار، وفتح مجال المنابر الحرّة تتم التوعية الشعبية بالفكر الديني الواعي .. وهذا هو السبيل .. ولا سبيل غيره!!
وأمّا اللجوء إلى كبت الجماعات، والتنظيمات التي تنشر الهوس الديني، فإنّه سير في الطريق المسدود .. وبرهاننا على ذلك ما نراه في مصر اليوم من استشراء لهذا الهوس، وذلك بالرغم من مضي أكثر من ربع قرن من الزمان على قيام الثورة المصرية التي واجهت الأخوان المسلمين بأسلوب العنف فقط، في أوّل الأمر، عندما حاولوا هم الانقضاض عليها، ثمّ واجهتهم بأسلوب اللامبالاة، في آخر الأمر، في عهد السادات، حتّى كشّرت هذه الجماعة الآن عن نابها، فحاول السادات أن يرجع إلى الأسلوب القديم، أسلوب الكبت والمنع، بعد فوات الأوان ..
ولذلك فإنّا نحذّر من التجربة المصرية، ذلك بأنّنا في السودان معرّضون لمضارّها أكثر من تعرّض مصر، وبما لا يقاس، وما ذاك إلا لوجود الرّواسب الدينية والعنصرية هنا، والتي، وإن خمدت نارها ما يجب أن نظن أنّها أطفئت تماماً .. ووقود هذه النار هو الهوس الديني الذي يقوده، بفعالية، وبجهالة نشطة، تنظيم الأخوان المسلمين .. فلنحذر نحن السودانيين، ولنحذر نحن المسلمين، من الهوس الديني، والفتنة السوداء التي تنطلق في أعقابه ..
إنّ الإسلام عائد، ولقد أظلّنا وقته، فما للإنسانية غيره .. هو عائد ليحل مشاكل الإنسان المعاصر التي عجزت الفلسفات، والأديان، عن حلّها .. هو عائد من أجل هذا الغرض النبيل، وليس من أجل أن يضيف إلى ما تعانيه البشرية اليوم من الانقسامات والحروب، عداوات، واحتراب الطوائف الدينية التي خلّفها الزمن ..
الإسلام عائد ليعلّم الناس السلام، لا ليمرّسهم على الإرهاب، والعنف .. هو عائد علم نفس، يروّض النفوس، ويهذّبها، لا ليطلق العنان لنزعات الحيوان فيها ..
إنّنا قد آلينا على أنفسنا أن نمضي في سبيلنا، لا نلوي على شيء، ننذر، ونحذّر، ونوقظ النيام، نسد الثغرات في بناء مجتمعنا، ونقفل الطريق أمام الجهالات، ونحول بين شعبنا وبين الذين يريدون استغلاله، وتسخيره، ضد مصلحته الحقيقية، الدينية، والدنيوية .. وعلى الله قصد السبيل ..