في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الخفاض الفرعوني

خاتمــة:


لقد تناولنا في متن الكتاب عادة خفاض المرأة بصورة عامة، والخفاض الفرعوني بصورة خاصة.. وبينّا تاريخ هذه العادة، وانتشارها والأسباب والدوافع التي أدت إليها.. ثم ذهبنا إلى ربط هذه العادة بمظاهر الكبت الأخرى التي وقعت على المرأة بسبب الغيرة الجنسية، وبينّا بصورة عامة إن صور الكبت والعنف، التي صحبت نشأة المجتمع، وما نشأ حولها من عادات وأعراف لعبت دورا هاما في المرحلة، بالنسبة للمجتمع وبالنسبة للأفراد، فهي التي مكّنت من قيام المجتمع أساسا، ومكّنت من تماسكه وتطوره.. بالنسبة للفرد فهي قد ساعدت على تقوية إرادته في السيطرة على شهوته، وأدت إلى بروز القيم عنده، وهي بذلك أدت إلى نموه الفكري والخلقي..
ثم تناول الكتاب أساليب محاربة عادة الخفاض، وبيّن سلبيات هذه الأساليب، والأسباب التي أدت إلى فشلها.. فبالنسبة للمحاربة عن طريق القانون، فقد ثبت وبالتجربة الطويلة، إن العادات لا تحارب بالقوانين، وهذا أمر أصبح عليه شبه إجماع بين الباحثين والمهتمين بمحاربة عادة الخفاض. أما عن محاربة العادة عن طريق التوعية، فقد بينّا سلبيات التوعية الجارية اليوم، وكيف أن تبيين المضار وحده لا يكفي، ثم بينّا كيف إن التوعية الجارية لم تراع القيم الاجتماعية، والاعتبارات النفسية للشعب، وأهملت اعتبار العفّة كدافع حقيقي لممارسة العادة، فلم تبرزها عند ممارسة التوعية، الأمر الذي أدى إلى عدم الثقة في دعاة التوعية، وعدم التجاوب معهم.. والى جانب ذلك فإن التوعية ضد ممارسة الخفاض، لم تقدم البديل الذي يحفظ القيمة الأساسية التي من اجلها قامت الممارسة، وهي العفّة والصون، وينمّى هذه القيمة.. وهذا هو السبب الأخير ـ غياب البديل ـ هو السبب الأساسي في فشل كل النشاط القائم لمحاربة الخفاض الفرعوني.
والكتاب أيضا تناول الحادثة التاريخية المرتبطة بالخفاض، وهي محاولة تطبيق، قانون منع الخفاض الفرعوني، وما أدى إليه من ثورة رفاعة في عام 1946م وموقف الجمهوريين من هذا الحادث.. وقد بينّا أن غرض الاستعمار الانجليزي من قانون منع الخفاض الفرعوني، لم يكن سوى استغلال هذا القانون وما يمكن أن ينجم عنه من أحداث في التمكين لنفسه، وتطويل فترة بقائه، وضرب الحركة الوطنية النشطة آنذاك، وقد فطن الجمهوريون منذ البداية لهذا الغرض الاستعماري وبينوه في منشوراتهم، وكشفوا المرامي الحقيقية للإنجليز، بما يفوت عليهم الفرصة.. ثم إن الجمهوريين استغلوا الحادث في تصعيد الحركة الوطنية ضد الانجليز، بالصورة التي زعزعت جبروتهم، وأذهبت هيبتهم من صدور المواطنين.. فلا الانجليز هم في الحقيقة كانوا يريدون محاربة الخفاض، ولا الجمهوريون كانوا يقفون ضد محاربة الخفاض، وإنما هو صراع بين استعمار عرف بالمكر والدهاء، وقوة وطنية لم يفت عليها دهاؤه فردت كيده في نحره واستغلت مكيدته ضده.
وآخر أبواب الكتاب تناول موقف الإسلام من الخفاض، وبيّن خطأ الذين يزعمون أن الخفاض، بجميع أنواعه، لم ترد أي إشارة إليه، لا في القرآن ولا في الحديث، وتم إيراد بعض الأحاديث النبوية الواردة عن الخفاض.. ومن الجانب الآخر تم تصحيح الخطأ الشائع، بأن هنالك نوعا من الخفاض هو سنّة.. فالخفاض ليس سنّة، وإنما هو تشريع مرحلي، سيتم تجاوزه مع كل صور التشاريع المرحلية الأخرى، بصورة حاسمة، عندما يتم بعث أصول الإسلام، وتطبيقها على حياة الناس. وإنما يتم تجاوز الخفاض، وغيره من صور الكبت الأخرى، بالتوعية السليمة، وبالتربية القويمة.. فالخفاض كالحجاب ليس غاية في ذاته وإنما يتوسّل به إلى تحصيل العفّة والصون في صدور جميع الرجال وجميع النساء.. ويومها تكون عادة الخفاض الفرعوني قد خدمت غرضها ـ خدمته حتى استنفدته ـ وبذلك تكون كوسيلة قد أثمرت ثمرتها المرجوة، وستبطل العادة، وتسلم المجتمعات التي تمارسها اليوم إلى صحة العقل، وصحة الدين، وصحة الخلق ـ إلى العفّة والصون والطهر ـ في صدور الرجال والنساء.. فمن الخير ـ (لعلّه كل الخير) ـ أن تستمر هذه العادة على أن يستعان بها على تركها، كما قرّرنا، بنشر، وبإتقان وبتجويد التربية الإسلامية وفق المنهاج النبوي العظيم.. إن طريقنا نحن، طريق الفكر الإسلامي، غير طريق التفكير العلماني الذي ذهب ليقلّل من قيمة العفّة والصون، كما أوردنا بعض الأحاديث التي تتجه هذا الاتجاه في بعض أجزاء هذا الكتاب.. لقد بدأت البشرية الخطوات الأولى نحو تحصيل العفّة والصون في صدور الرجال والنساء قبل ما يناهز المليون سنة.. وهي قد رصفت هذا الطريق الطويل بالعرق والدماء والدموع.. وضحّت في سبيل تحقيق هذه القيمة العظيمة تضحيات هائلات.. والآن فإن البشرية على مشارف العهد الموعود.. ولكن غلبة التفكير العلماني على المسلمين، وضعف التفكير المؤدب بأدب حقيقة القرآن، وأدب شريعته، قد أوشك أن يسوق المسلمين، باسم محاربة عادة الخفاض الفرعوني، في الطريق الضال الذي سارت عليه المجتمعات الغربية، حيث تعتبر قيمة العفّة، والصون، والطهر، عند النساء رعية، وتخلفا، ونقصا في الوعي الحضاري، وقيدا على حرية النساء والرجال، يجب التحلل منه، وبأسرع فرصة.. إن الخفاض الفرعوني يجب أن يذهب، وهو سيذهب، على التحقيق، ولكن بعد أن يكون قد استغلّ خير استغلال ليعين التربية الإسلامية، والنهج الإسلامي في تقليد عمل النبي في العادة وفى العبادة، على تحقيق العفّة، والصون، والطهر، وهي قيم الإنسانية الحقة، وقيم الحرية الطليقة، والمطلقة في ذلك..
هذا والله هو المسئول أن يزكينا جميعا، وان يحفظنا جميعا، رجالا ونساء، حيث وجد الرجال والنساء، وان يحفظ علينا جميعا، قيمنا الرفيعة التي لا نكون بغيرها إنسانيين ولا أحرارا، انه أكرم مسئول وأقرب مجيب..