في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الخفاض الفرعوني

إشعال الثورة:


وقد أثبتت الأحداث ما توقعه الجمهوريون ففي عام 1946 اقتيدت إلى السجن سيدة من مدينة رفاعة، خفضت ابنتها مخالفة للقانون.. فخطب الأستاذ محمود محمد طه بمسجد رفاعة ودعا الناس للجهاد ضد ظلم الانجليز في ثورة عارمة أوردت خبرها جريدة الرأي العام عدد 21/9/1946 بقولها: نشرنا قبل أيام أن السلطات في رفاعة حكمت على امرأة بالسجن تحت قانون منع الخفاض، لأنها خفضت بنتا، وان الجمهور قابل هذا العمل بروح الاستياء العميق، واضطرت السلطات إلى إطلاق سراح المرأة بضمانة.. وجاءنا اليوم تلغرافيا، بتوقيع أهالي رفاعة أن السلطات عادت فسجنت المرأة، وعندما علم الجمهور بالأمر خرج من الجامع، واقتحم السجن، وأطلقوا سراح المرأة، ومكث أفراده الذين ملأوا السجن بدلا عنها.. فأمر المفتش بسجن الضامنين، ولكن الجمهور رفض ذلك أيضا، وفى منتصف ليلة البارحة اقتحم البوليس منزل المرأة، وأخذها إلى جهة غير معلومة.. فقامت رفاعة بأسرها قاصدة الحصاحيصا، ومنعت السلطات المعدية من العبور، وأضربت المدارس وأغلق السوق، وقامت مظاهرة عمومية، ويحتشد الجمهور الآن بالشاطئ وفى كل مكان).. وقد عبر الجمهور إلى الحصاحيصا بمراكب الصيد.. وتواصل الرأي العام الوصف فتقول من عدد 23/9/1946.. (وقفنا بالقارئ أمس الأول عند تجمع سكان رفاعة على شاطئ النهر، ومنع المعدية من العبور.. وقد عبر بعد ذلك فريق من المتظاهرين إلى الحصاحيصا ومن هناك انضّم إليهم خلق كثير من الناس.. فتوجه الجمع إلى المركز في مظاهرات واسعة، وبدأوا في قذف المركز بالطوب وغير ذلك فتحطم كثير من الأبواب والنوافذ، واصطدم المتظاهرين بالبوليس الذي عمل جاهدا لتفريق المتظاهرين.. وعلى إثر ذلك أمر سعادة مدير الجزيرة بالنيابة بإطلاق سراح المرأة السجينة، فأخذها جمع من الناس وتوجه بها إلى منزلها برفاعة).. وتواصل الرأي العام في عدد 25/9/1946 فتقول: (تم اعتقال بعض الناس من رفاعة والحصاحيصا منهم الأستاذ محمود محمد طه وشقيقه مختار محمد طه فوضعوا في سجون رفاعة والحصاحيصا ومدني).. وقد صعّد الجمهوريون بالعاصمة المواجهة مع الانجليز، وفى ذلك أوردت جريدة الرأي العام عدد 25/9/1946 ما نصه: (اجتمع أعضاء الحزب الجمهوري مساء أمس، وساروا في موكب اخترق شارع الملك بالخرطوم.. وخطب منصور عبد الحميد في إحدى المقاهي التي صادفتهم في الطريق فاعتقله البوليس للتحقيق.. وكان الغرض من الموكب والخطبة، الاحتجاج على اعتقال رئيسه، والتنديد بقانون الخفاض).. وفى عدد 27/9/1946 من الرأي العام، جاء (اعتقل بوليس الخرطوم بحري مساء أمس ذا النون جبارة، وعبد المنعم عبد الماجد عندما القيا خطابين أمام السينما الوطنية بالخرطوم بحري، نددا فيهما بالمجلس الاستشاري وقانون الخفاض، وكبت حرية الرأي والخطابة).. وهكذا استغل الجمهوريون الحادث في تصعيد العمل الوطني ضد الانجليز في مناطق مختلفة من البلاد، ولم يقفوا عند موضوع الخفاض، وإنما اتجهوا إلى مهاجمة المجلس الاستشاري، وهاجموا كبت الرأي والخطابة كما هو مبين في نص الرأي العام.
وقد تصعدت الأحداث برفاعة وقامت السلطات بإطلاق الرصاص على الجمهور وقد أوردت الرأي العام الخبر في عدد 7/10/1946 فقالت: (جاءت قوة كبيرة من البوليس من مدني برئاسة مفتش المركز، وفى نفس الوقت عسكر خارج رفاعة البلوك الرابع من فرقة الهجانة، بقيادة الصاغ احمد عبد الله حامد الذي دخل إلى رفاعة برفقة ضابط سياسي، وقابل المفتش وقمندان البوليس، ورجع إلى مقر فرقته.. واعتقل الأستاذ محمود محمد طه، واحضر إلى المركز.. وإثر ذلك تحرّك جمهور كبير نحو المركز، وفى الحال نقل الأستاذ محمود إلى معسكر البلوك الرابع، خارج المدينة.. وتحركت فصيلة من البلوك الرابع لتعزيز قوة بوليس مركز رفاعة.. وكان إطلاق الرصاص بأمر مفتش المركز، عندما رفض الجمهور إطاعة أوامر البوليس المتكررة بأن يقفوا عن تقدمهم صوب المركز، وقد أطلق البوليس دفعة فوق رؤوس الجمهور وهم على بعد أربعين ياردة تقريبا من المركز، ولما لم يقفوا أطلقت دفعة أخرى على الأرض أمام أقدامهم، في وقت كانت فيه مقدمة الجمهور على بعد 25 ياردة من المركز، ولم يصب غير أربعة أشخاص اثنان منهم بإصابات بسيطة جدا، وأما الرابع فقد كسرت ساقه كسرا سيئا).
وقد تمت محاكمات أحداث رفاعة وأوردتها الرأي العام في عدد 12/10/196 فقالت (صدرت أحكام بالسجن بمدة تتراوح بين شهرين وسنة على كل من: عباس المكي، عوض القرض، أحمد الأمين، محمد إلياس، الزبير جاد الرب، عبد العال حسن، احمد عثمان، حمد النيل هاشم، على مالك، محمد الحاج على، بابكر وقيع الله، عبد الله حامد الشيخ، حسن أحمودي، منصور رجب، عبدون عجيب، وحكم على (صبي) بالجلد). وقد قدّم الأستاذ محمود إلى محكمة كبرى بمدني أوردت خبرها الرأي العام عدد 17/11/1946 بقولها: (حكمت محكمة كبرى بود مدني برئاسة القاضي أبو رنات بسنتين سجنا على الأستاذ محمود محمد طه رئيس الحزب الجمهوري، بتهمة إثارة الشغب في رفاعة.. كما حكم عليه بوضعه تحت المراقبة لمدة سنة أخرى بعد إتمام مدة السجن).. أما الجمهوريون بالعاصمة فقد جاء عنهم (أصدرت محكمة الجنايات حكمها على بعض أعضاء الحزب الجمهوري المتهمين تحت المادة (105) وكانت الأحكام كالآتي: ـ
عثمان عمر العتباني ثلاثة شهور سجنا، سعد صالح عبد القادر شهر سجنا، ذا النون جبارة شهر سجنا).
وهكذا حوّل الجمهوريون الحادث إلى عمل وطني كبير هزّ جبروت الانجليز، وأشعل الحركة الوطنية، وزاد وعى المثقفين بمكائد الانجليز..
وقد جاء عن موقف الجمهوريين ودعوة الآخرين للاقتداء به بجريدة الرأي العام عدد 28/11/1946 ما نصه: (إن الجمهوريين حين يقررون، أو يقومون بدعوة، يظهرون من الجد، والحزم، والبلاء الحسن، ما يشرفهم كل التشريف.. فهم في محاربتهم لقانون الخفاض الفرعوني قد فعلوا كل ما في وسعهم، ولعل كثيرين غيرهم، ممن لم يوافقوا على القانون، قبل إقراره، لو بذلوا عشر ما بذله الجمهوريون فربما تغير الموقف كل التغيير لقد أصدر الحزب الجمهوري النشرات، وخطب أعضاؤه، وحذروا، وانذروا، وأخيرا ذهبوا إلى السجون..) ثم تواصل فتقول.. (لقد ضرب الجمهوريون المثل في الإخلاص للعمل فهل نرى من أحزابنا بعض العناية بأهدافها، فإننا لم فإننا لم نسمع، على اتساع دار المؤتمر، ودار حزب الأمة، ودور أندية الخريجين، وأعمدة الصحف، بمجهود يذكر لقيادة هذه الأحزاب كأن الخطة إلى اجمعوا عليها، على اختلاف نزعاتهم هي إيقاف التنفيذ).. هذا هو تقويم (الرأي العام) يومئذ لعمل الجمهوريين..
ومن الإنصاف أن نذكر هنا أن الأستاذ التجاني عامر، هو، في وقتنا الحاضر، يأتي في مقدمة الذين قدّروا مواجهة الجمهوريين لقانون الخفاض، وأدركوا صواب نظرتهم.. والتجاني عامر هو من الذين عاصروا الحركة الوطنية، والأحداث التي ذكرناها.. قد ذكر في مقال له بجريدة الصحافة عدد 16/4/1975 وهو يتحدث عن تاريخ الأحزاب السودانية ما نصه: (الحزب الجمهوري: قد يكون هذا الحزب من أقدم الأحزاب السياسية، بحساب الزمن، فهو أول حزب صغير يعمل خارج النفوذ الطائفي بإصرار بل بمنجزة وصدام.. واسمه يدل على النهج الذي انتهجه لمصير السودان.. ومؤسس الحزب الجمهوري هو الأستاذ محمود محمد طه الذي كان من أبرز الوجوه الوطنية في مستهل النضال) ويواصل (وقد تعرّض محمود للسجن الطويل في خصومات ايجابية مع الانجليز منها حادث "الطهارة الفرعونية" في رفاعة، وهو حدث اجتماعي رفعه محمود إلى مستوى المساس بالدين والوطن).. انتهى تقويم الأستاذ التجاني عامر لحادث رفاعة ولدور الحزب الجمهوري في أمر الخفاض الفرعوني..
هذا هو موقف الجمهوريين التاريخي من قانون الخفاض وهو كما تدل عليه الأقوال والأحداث الواضحة، موقف وطني ضد الانجليز، استغلّ قانون الخفاض ليفوّت عليهم غرضهم الاستعماري منه، ويرد إليهم كيدهم في نحرهم، ويشعل ضدهم ثورة وطنية عارمة..