في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الإسلام وإنسانية القرن العشرين

متن المحاضرة

بسم الله الرحمن الرحيم

بارك الله في الإبن المبارك، على هذا الترحيب، وحيا الله ذكرى الأستاذ الشيخ الجليل، منشئ هذه المعاهد، وطيب ثراه.. فإن معاهد الأحفاد، مجال، كان ولم يزل، من مجالات الفكر الحر.. ولقد كان الأستاذ الكبير الشيخ بابكر بدري طفرة في وقته.. كان يتمتع بقدر كبير من حرية الرأي، ومن التقدم.. ونحن نعود لنتحدث، هذه الليلة، في هذه المعاهد.. وقد سلفت لنا مرات كثيرات تحدثنا فيها من منابرها..

الإسلام وإنسانية القرن العشرين


وحديثنا هذه الليلة، عن „الإسلام وإنسانية القرن العشرين“.. أو يمكن للإنسان أن يقول: أننا سنتحدث عن نهايات بدايات الأشياء.. الدين، جميعه، معرض لتحدي إنسانية القرن العشرين.. وإنسانية القرن العشرين، حاجتها هي حاجة الإنسان الأول.. ولكن هذه الإنسانية قد بلغت نهايات نضجها أو كادت.. إنسانية القرن العشرين، قد بلغت نهايات النضج.. ونحن نقول دائما: أن الإنسانية، في المرحلة الحاضرة، قد أخذت تستقبل عهد رجولتها.. ذلك بأن المجتمع البشري، كالفرد البشري، يمر بمراحل.. فإنه يكون جنينا في الرحم، ثم يولد، ثم ينشأ في الأطوار المختلفة من أطوار النمو، إلى أن يبلغ مرتبة الرجولة.. المجتمع البشري بهذه الصورة.. والفرد البشري في حياته القصيرة، في الرحم، وفيما بعد الميلاد، إلى أن يهرم، وإلى أن يندثر - إلى أن يموت - يحكي صورة من صور تطور، ونمو، ونضج، المجتمع البشري، غير أن دورة الفرد البشري نراها دائما، ولكن دورة المجتمع البشري طويلة، وئيدة.. ونحن، اليوم، على التحقيق، نعيش في عهد مراهقة المجتمع البشري.. وعهد مراهقة المجتمع، كالعهد بمراهقة الفرد، عهد اضطراب، وقلق، وحيرة، وتغيرات كبيرة، وسريعة، تحدث في بنية الفرد البشري.. وهي، اليوم، نراها تحدث للمجتمع البشري.. وحاجة الفرد البشري إنما هي دائما الحرية.. وحاجة المجتمع البشري، إنما هي حاجة أفراده، هي دائما الحرية..

نشأة المجتمع


يقولون أن أبا العلاء حين قال:-
وإني، وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الاوائل

قالوا أن غلاما قال له: فإن الأوائل قد أتوا بالثمانية والعشرين حرفا أبجديا، فهل تستطيع أن تاتي بحرف واحد؟؟ تقول الرواية،: أن أبا العلاء قد أسقط في يده.. الأوائل قد أتوا بالثمانية والعشرين حرفا (في اللغة العربية) الأبجدية، ولكن أحدا لا يعرف: متى نشأت؟؟ ولا كيف نشأت؟؟ ولا هي تعزى لفرد واحد.. ولكنها من أعظم ما أنتجت البشرية.. أعظم منها المجتمع البشري.. ولا يعرف متى نشأ المجتمع البشري.. ولا هو يعزى لفرد معين، حتى ينسب له الفضل في إنشائه.. ولكن المجتمع البشري نشأ بعد أن لم يكن.. وهو، يمكن أن يقال عنه، أنه أعظم إختراع، اخترعه الإنسان.. ولم يكن هذا الإختراع في عهد العقل الواعي، وإنما كان في عهد الغرائز الحيوانية، التي عندما تستشعر الخطر، تتكتل لتؤمن نفسها.. ونحن، إلى الآن، نعرف أن الإنسان يدفعه إلى التكتل، عند شعوره بالخطر، غريزة القطيع، المشرجة في بنيته.. لأنه حيوان خرج من بدايات سحيقة في تخلف الحياة بيهو، ثم تطور في المراقي المختلفة، من الماء، إلى الغابة، إلى المدينة.. الشوط دا، قطعه في بلايين السنين.. ولقد كان دائما يبحث عن حريته.. والحرية عنده تتمثل في الأمن من الخوف.. وتطور الإنسان في هذا المدى الوئيد بفاعل الخوف.. فالخوف كان العامل الأساسي في تطوير الإنسان، من بدايات الحياة البدائية - من الدودة البدائية - إلى أن ارتقى كل المراقي.. كان حافزه الخوف.. واليوم الخوف هو أكبر مسيطر على الأفراد، وعلى الجماعات.. ومع أن الخوف العنصري، الخوف على الحياة، هو من أكبر حوافز ترقي الحياة، مع أن الخوف صديق، يمكنك أن تقول، في مراحل الحياة البدائية، إلا أنه في أخريات الترقي، هو عقبة.. فكأنما الإنسان في سيره لاكتماله، لنضجه - لأن يبلغ الرجولة بعد الطفولة، واليفاعة، والمراهقة - لا بد له ان يتحرر من الخوف.. وهو، في أول أمره، لم يكن ليرتقي، ويبلغ هذه المراقي، لولا الخوف.. ويمكنك أن تقول: الإنسان يتطور في مرحلتين: مرحلة الخوف، ومرحلة التخلص من الخوف.. فلولا الخوف، في المكان الأول، لما برز العقل.. وإذا لم يتحرر العقل من الخوف، لا يجيء الكمال.. في مرحلة بروز العقل برز المجتمع، بالمعنى الذي نعرفه.. ولكن المجتمع، من حيث هو، كان سابق للعقل.. وفي المعنى الذي نعرفه عن المجتمع، دخلت القوانين، يمكنك أن تقول.. دخلت قوانين الحرام والحلال.. وهذه القوانين - قوانين الحرام والحلال - سابقة على الدين، وسابقة على العقيدة، سواء أكانت العقيدة تعددية، أم توحيدية، القوانين دي سبقتها.. ويمكنك أن تتصورها أول خطوة، برز بها الإنسان من الحيوان.. كأن الإنسان، بالصورة التي أودعها الله فيه، إذ جعل طفولته طويلة، مثلا، فهو ضعيف، ومحتاج للمساعدة، أصبح بذلك مهيأ لأن يعيش في مجتمع، أكثر من الحيوانات الأخرى.. وهذه الحاجة هدته إلى حيلة القوانين.. وحيلة القانون هذه هي التي تحدد حريتي وحريتك.. أن تعيش في مجتمع، لا بد ليك من أن تعرف حدود حريتك.. ويمكن في وقت متأخر نشأ تعريف الحرية.. فالحرية مورست قبل أن تعرف.. وفي الوقت المتأخر عُرِّفت الحرية.. فحريتك أنت تنتهي عندما تبتدئ حرية جارك.. في حياة الغابة، وحياة الحيوان، كان مافي تحديد.. في قانون الغابة، القوي عنده حق، والضعيف لا حق له.. بل الضعيف هو فريسة القوي.. ثم عندما بدأ المجتمع يتوجه نحو المدينة، من الغابة، بدأت القوانين بالصورة البدائية التي تحدد حريتك بما لا يتعدى على حرية الآخرين، فإذا تعديت بحريتك على حرية الآخرين أصبح القانون قد ينتقل إلى القتال، إلى السيف، إلى السلاح.. إلا إذا نهض القانون الذي ينفذ الحاكم حكمه.. والقانون يقتضي أن تعرف أنت حدود حريتك حتى تستطيع ان تعيش في سلام، وحتى يستطيع المجتمع أن يتماسك..

حدود الإسلام أول القوانين


ونحن عندنا في الإسلام أنو الحدود، هي أوائل التشريعات، على إطلاقها - الحدود الواردة في الإسلام - مثلا الحفاظ على الزوجة، والحفاظ على الملك.. دي يمكن تكون أول القوانين النشأت على إطلاق الصورة.. قد تتفاوت في بعض المجالات، في توكيدها وفي ضعفها، ولكن لا يمكن للمجتمع ان يعيش، متماسك، ومتسامح، ومسالم لبعض، إلا إذا كان ملكك محمي بالقانون، وزوجتك محمية بالقانون، ذلك حتى تهدأ الغيرة الجنسية، البشارك فيها الإنسان الحيوان.. وحتى تطمئن إنت على أن ملكيتك، إذا كانت سلاح حجر، أو كهف بتأوي ليهو محفوظ - محفوظ بفعل القانون.. هنا يمكن الحدود فيما يخص الزنا، وفيما يخص السرقة، تكون هي أوائل القوانين النشأت.. وكل غرض القانون هو أن يعطيك الحرية.. حتى عندما يكون القانون ضيق، ومحدد لحركتك، فهو، في الحقيقة، بيديك الفرصة لتعيش في جماعة لتجد الأمن، ثم أنت خارج نطاقه، وخارج التورط في حدوده، بتلقى أنت الحرية اليمكن تمارسها..

المجتمع شركة


بعض المفكرين الإجتماعيين ظنوا، وهو ظن جيد، إن المجتمع شركة، اكتتبوا فيها أعضاؤها برؤوس أموال - بأسهم.. تتمثل هذه الأسهم في أنك أنت، لتعيش في هذه الشركة، لتكون مساهم في شركة الجماعة، بتتنازل عن قسط من حريتك، لتكون الجماعة ممكنة.. القسط دا كان كبير، كبير إلى حد بعيد.. كان يمكن للفرد البشري أن يضحي به على مذابح الجماعة إرضاء للآلهة، ويمكن أن يقتل في سبيل الحفاظ على الجماعة، في أي لحظة.. وكان يجب عليه هو أن يكون مستعد دائما.. وحتى تمارين، وتدشين، القبائل المختلفة للأفراد، في صفوف الرجال إنما كان يستهدف إعدادهم للاستعداد لهذه النقطة.. ثم أصبحت المجتمعات، كلما ترقت، كلما أعطت الفرد حرية أكبر، بمعنى أن ما يؤخذ منه، كمساهمة في قيام الشركة، بيقل، ودا لحسن التدبير الإلهي.. والمجتمع كان يترقى مع تطور الأفراد.. فكلما الفرد بقى ذكي، ومدرك، ومقدر، وعنده تصور للألم البيلحقه تصرفه بالناس الآخرين، كلما قل الكبت عليهو، وقل الضغط عليهو.. القوانين دي هي الأعطت الفرد الفرصة، في أن يكون عنده سيطرة على نزواته.. لأنه عندما كان حيوان سائم، ما كان عنده قانون غير اللذة، هو يباشر لذته حيث وجدها، ولا رادع.. وأول ما أصبح بشري إنقسم.. اللذة المحرمة يجب أن يبتعد عنها، وإلا ستلحق بيهو ألم يفوق مقدار ما وجد من اللذة..

نشأة الأديان


نشأت الأديان بالصورة دي، نشأت لتجعل الألم البيلحق بمخالفة قانونها رهيب جدا.. وأما إدراكات الحياة الأخرى - إدراكات النار والجنة - فقد كانت مقدمة على ظهور الأديان، المعروف عندنا.. وبطبيعة الحال العبادة كانت سابقة.. وأصبحوا يصورون الآلهة بصورة من يغضب، عندما تخالف أنت قانون الجماعة، حتى ولو كنت في خلوة.. وكلما مر الزمن إستمر الزحف على توكيد المعاني دي، لغاية ما تطور الإنسان في المراقي، وجاء الإنسان المتأخر، اليمكن أن تقول عنه أن عهده يرجع إلى 10 او 15 ألف سنة، الإنسان البنراه اليوم يرجع إلى صورة زي دي.
نشوء الأديان، بالمعنى القريب من أدياننا، أو من ديننا قول الإسلامي، حصل في الوقت المتأخر كثير، بالنسبة لتطور الإنسان في المراقي دي.. والتوحيد، بطبيعة الحال، جاء في وقت متأخر أكثر.. إذا كان دا هو المجتمع في تطوره، أصبحت هناك، فيما نسميه مجتمع القرن العشرين، في قفزة.. القفزة دي ما بتصل ليها إنت باستقراء تطور المجتمع الوئيد، عبر السنين الطويلة.. ولعل هذه القفزة الكبيرة جدا، الظاهرة جدا، نشأت في القرن العشرين.. نشأت في زمن قصير، نشأت فيما يمكنك أن تقول أنه زمن ما بين الحربين الأخيرتين - الحرب الأولى حرب 1914- 1919، والحرب الثانية حرب 1939 - 1945 - في الاثنتين في قفزة، لكن حرب 1939- 1945 قفزت قفزة كبيرة جدا بالإنسان، بفضل الله، ثم بفضل إكتشاف القوى النووية، والقوى الذرية.. التسابق على السلاح، بطبيعة الحال، كان الحافز الأساسي للبحث العلمي.. الإنسان مقاتل بطبيعته الثانية.. بطبيعته الأصلية هو مسالم، ولكن بالطبيعة الثانية الأنشأها الخوف، أصبح الإنسان مقاتل، وإنما هو مقاتل ليحتفظ لنفسه بالحياة، وليحتفظ لنفسه بالحرية.. دوافع الحرب، ودوافع الغلبة، كما هي الحال في مجتمعاتنا المتأخرة، بتوجب على الناس أن يصرفوا على التسلح بغير حساب.. وكذلك جات مسالة الأبحاث العلمية في السنوات الأخيرة، من أجل التسلح، فقفزت قفزات كبيرات جدا بالآلة، ولقد ربطت الآلة الكوكب الأرضي، وقربت المسافات، وخلَّت الناس كأنهم جيران، حصل ذلك بصورة لم يسبق لها مثيل، فأصبح أكبر تحدي يواجه مجتمع القرن العشرين هو أن يعيش في سلام مع بعض، لأن الناس قد أصبحوا جيران، الناس المسافات ألغيت بيناتهم، وأصبح لا بد من الأخلاق البتناسب الجوار، المسالمة، والمحبة، والمعايشة..