لقد أثبتت هذه الأحداث أن الشعب السوداني شعب أصيل، شجاع، كريم .. يجود بالنفس في سبيل العزة، والشرف ولا ينقصه غير القائد الذي يفجر كوامن أصالته، ويحرك حسه الوطني .. فاذا وجد قائدا، في مستواه، فان المعجزات تجري على يديه، والبطولات تسعى اليه خاطبة وده.. حقا كما قال الأستاذ محمود في تحقيق معه في جريدة الأخبار، فيما بعد، ((الشعب السوداني شعب عملاق يتصدره أقزام))

معالم على طريق تطور الفكرة الجمهورية - الكتاب الاول

menu search

الإسلام والفنون

بسم الله الرحمن الرحيم
(تسبح له السموات السبع ، والأرض ، ومن فيهن .. وأن من شئ إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم .. أنه كان حليماً غفوراً ..)
صدق الله العظيم

المقدمة:


هذه مقدمة كتاب "الإسلام والفنون" وهو عبارة عن متن محاضرة ألقيت على طلبة "كلية الفنون الجميلة والتطبيقية" ، وضيوفهم ، وذلك يوم الثلاثاء ، 24/9/1968 ... ولقد أخذت هذه المحاضرة عن الشريط ، وهي تجري بلغة الكلام ، لا بلغة الكتابة ، كذلك وردت في الأصل.
ولقد اسمينا هذا الكتاب: "الإسلام والفنون" .. ولقد كان من الممكن ان نسميه "الفنون والإسلام" ولكننا آثرنا الأول لأن تقديم كلمة الإسلام فيه توخ للحكمة التي توجب تقديم الفاضل على المفضول ، فذلك أمر لا معدى عنه ، ولكننا كنا ، حين تعديناه في فكرنا ، وحين هممنا بتسمية الكتاب على النحو المشار إليه آنفاً ، كنا نعتذر عن هذا الصنيع بخطتين اثنتين: كون هذا الكتاب يعنى ، في المكان الأول ، بالفنون ، ثم يضعها موضعها في الإسلام ، هذه واحدة ، والثانية أن الفن ، والإسلام ، لصيقان ، وتوأمان .. وهذا يقتضي تعريف الفن ، وتعريف الإسلام.

الفـن:


فأما الفن ، فقد سبق لنا أن عرفناه في متن هذه المحاضرة ، وذلك حيث قلنا ، ان الفن هو وسيلة التعبير عن ملكة التعبير .. وقلنا يومها أن ملكة التعبير إنما هي الحياة .. والحياة تعبر عن نفسها بوسائل مختلفة ، في مستويات مختلفة ... فهي تعبر عن نفسها بالحركة ، وتعبر عن نفسها بالغذاء ، وتعبر عن نفسها بالتناسل ، كما تعبر عن نفسها بالشعر ، وبالنثر ، وبالغناء ، وبالرقص ، وبالنحت ، وبالرسم ، وبالتصوير ، وبالتمثيل ، وبالموسيقى ، وبغيرها من ضروب الطاقة الفكرية ، والجسدية ، التي تفيض وتنبجس .. فهل يعني هذا أن كل أساليب الحياة للتعبير عن نفسها فن ؟؟ .. نعم هذا على التعميم ، وفي جملة الأمر ، صحيح ... بيد أن صور التعبير التي تمارسها الحياة البدائية تعتبر فناً فجاً ، وتزيد فجاجته كلما انحصر في التعبير عن مجرد نوازع المعدة ، والجسد ... اننا لا نسمي أساليب الحياة ، في التعبير عن نفسها ، فناً ، بالمعنى المخصص لهذه الكلمة ، إلا إذا ما دخلت هذه الأساليب على مستوى التعبير عن القيمة – القيمة في الحياة – وأعلى قيم الحياة الحرية .. هناك الطاقة الحياتية ، وهناك الطاقة العقلية ، وإنما بالطاقة العقلية دخلت القيمة في الحياة .. فالفن إنما هو تعبير الطاقة الحياتية عن نفسها من خلال مصافي العقول المرتاضة ، الصافية ، القوية الإدراك ... الفن هو التعبير عن حياة الفكر وحياة الشعور ، في آن معاً .. والطاقة الحياتية إنما هي أصل الحياة ، في سذاجة ، وبساطة ، وهي لا تفلسف ، ولا تتأنق ، ولا تحتفل ، حين تعبر عن نفسها .. وأسلوبها في التعبير اسلوب القصد الصريح ، في ممارسة اللذة ، واجتناب الألم .. ولكننا نحن لا نعتبر اندفاعات الشهوة في هذا المستوى فناً من الفنون .. وإنما الفن تعبير الشهوة المحكومة بالعقل المهذب ، المروض المنضبط بقواعد الخلق الرصين .. وإنما من أجل ترويض ، وتهذيب العقول حمدت مساعي الفنون ، في صورها المختلفة ، وبأساليبها المختلفة .. وإنما قيمة كل أسلوب من أساليب الفنون هي قيمة ما يقربنا من تلك الغاية ...وفي هذا المضمار يقع التفاوت بين أفانين الفنون ، وفيه أيضاً يقع اختلاف ما بين الفن والدين – الإسلام ... ومعلوم انه إنما هو دائماً اختلاف مقدار .. ولقد تعرضنا لتعريف الفن في الأسطر القليلة الماضية ، ولقد قررنا هناك أن الفن والإسلام لصيقان ، وهذا يعني أنهما وجهان لأمر واحد ... هذا الأمر الواحد إنما هو الحياة ... فالفن أسلوب تعبير للحياة به يزيد عمقها ، واتساعها .. والإسلام اسلوب تعبير للحياة ، به يزيد عمقها واتساعها ، ولكن أسلوب الإسلام أشمل وأعمق ، وأبعد مدى من أسلوب الفنون .. ولقد وردت الإشارة إلى الاسلوبين: أسلوب الفنون ، وأسلوب الإسلام ، في الآية الكريمة: ((سنريهم آياتنا ، في الآفاق ، وفي أنفسهم ، حتى يتبين لهم أنه الحق .. أو لم يكف بربك أنه على كل شي شهيد ؟؟)) فهذه آيات الآفاق ، وآيات النفوس ... وهي جمعيها موضوع الفنون ، وموضوع الإسلام .. فأما الفنون فإنها تعنى بآيات الآفاق ، أكثر مما تعنى بآيات النفوس ، ولكن عنايتها بهذه غير غائبة .. وأما الإسلام فإنه يعني بآيات الآفاق ، ويتخذها مجازاً إلى آيات النفوس ، وعنايته بهذه ، وبخاصة في آخريات مراقيه أكبر وأعظم .. وللعلم التجريبي في هذين مجال ، ولكنه ليس هنا بذي بال .. ويكفي فيه أن يقال: أن الفن ، والدين ، والعلم ، متداخلة ، والاختلاف بينها إنما هو اختلاف مقدار..