في موقف الثورة، إن كنت تخضع للقانون الفاشل الظالم، فأنت لا تغيّر. فالثورة انتقاض على كل ظلم، مهما كان الظلم مسلحاً ومحمياً

الأستاذ محمود محمد طه - محاضرة “الاستقلال وقضايا الشعب”

menu search

الإسلام والفنون

القرآن هو الموسيقى:


القرآن المقروء ، والمحفوظ بين دفتي المصحف الشريف ، قد حوى جميع الأكوان القديمة ، والحديثة .. وهو اللحن العلوي الكبير ، المنطلق يرسم طريق صدور الإنسان ، من منبعه ، وطريق رجوعه ، إلى مصبه – الذات الآلهية – حواها ، وحوى حركاتها ، فلم يغادر منها شيئاً .. قال تعالى ، في الإشارة إلى ذلك: (ووضع الكتاب ، فترى المجرمين مشفقين مما فيه ، ويقولون: ياويلتنا!! مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا احصاها .. ووجدوا ما عملوا حاضراً ، ولا يظلم ربك أحداً ..) معلوم ، لدى المعنى القريب ، أن الكتاب المقصود هنا هو كتاب أعمال الأفراد ... ولكن ، لدى المعنى البعيد ، فإن الكتاب هو القرآن ... وهو لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، في ذرات ، واجرام ، الأكوان إلا احصاها ، قيداً وشمولاً .. وفي نفس هذا المعنى يرد الحوار الذي جرى بين فرعون وموسى (قال فمن ربكما يا موسى * قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى * قال فما بال القرون الأولى * قال علمها عند ربي في كتاب.. لا يضل ربي ولا ينسى ..) فإن هذا الكتاب إنما هو القرآن .. والقرآن إنما رصد سير موجة الأكوان ، العلوية والسفلية ، وفي مقدمتها الإنسان – رصدها بين الصدور والورود إلى المنبع الذي منه صدرت – لأنه إنما هو كتاب تسليك وهداية .. وفيه يقول تعالى: (وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة .. وكلا منها رغداً حيث شئتما ، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين * فازلهما الشيطان عنها ، فأخرجهما مما كانا فيه ، وقلنا أهبطوا!! بعضكم لبعض عدو ، ولكم في الأرض مستقر ، ومتاع إلى حين * فتلقى آدم من ربه كلمات ، فتاب عليه .. انه هو التواب الرحيم * قلنا أهبطوا منها جميعاً!! فأما يأتينكم منى هدى ، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ، ولا هم يحزنون ..) هذه هي لمحة من قصة اكتمال الخلقة ، واكتمال التقويم ، (يا أدم أسكن أنت وزوجك الجنة ، وكلا منها رغداً حيث شئتما) وهي قصة الخروج في طريق البعد (قلنا اهبطوا!!) وهي قصة الصراع في موطن البعد ، والاغتراب ، (بعضكم لبعض عدو) وهي قصة أجل الاغتراب ، في موطن الاغتراب ، (ولكم في الأرض مستقر ، ومتاع إلى حين) .. ثم هي قصة الاذن بالعودة إلى الوطن القديم (فتلقى آدم من ربه كلمات ، فتاب عليه) ومن باب التوبة إهداء طريق العودة إلى الوطن القديم (فاما يأتينكم مني هدى ، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ، ولا هم يحزنون) .. وهذا الهدى إنما هو القرآن (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) .. ومعنى ما في هذه الآيات الكريمات هو ما ورد في قوله تعالى في سورة التين (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم * ثم رددناه أسفل سافلين * إلا الذين آمنوا ، وعملوا الصالحات ، فلهم أجر غير ممنون ..) ولا تتم الهداية ، في طريق العودة بالقرآن ، لجميع الخلائق ، في دار واحدة ، فإن منهم من تبدأ هدايته في الدار الدنيا ، ومنهم من تبدأ هدايته في الدار الأخرى .. وكلهم مصيره إلى السير السرمدي على طريق الرجعى إلى الله ، فإنه ما من الله بد .. (يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه) ..
لقد تحدثنا في متن المحاضرة ، عن أن الأصل في صناعة الأوتار التي تنقل الألحان ، إنما هي تجربة بخيط ، يثبت في طرفيه ، ثم ينقر ليتذبذب بكليته ، ترصد ذبذبته ، ثم يقسم إلى نصفين ، وينقر كل نصف ، ثم يقسم إلى أثلاث ، وإلى أرباع ، وهكذا .. وترصد ذبذبة كل جزء .. هكذا الشأن في القرآن ، فإن الوتر الذي يعزف فيه لحنه مشدود بين طرفي الصدور والورود ، وتتحرك فيه نقطة ، تمثلها ، في الوتر الموسيقى ، النقطة التي تقسم الخيط إلى أثلاث ، وارباع واثمان .. الخ ألخ .. فالطرفان المشدود بينهما وتر القرآن هما: الذات لدى الصدور "الحقيقة العبدية" والذات لدى الورود "الحقيقة الإلهية" (أن مثل عيسى ، عند الله كمثل آدم ، خلقه من تراب ، ثم قال له كن فيكون * الحق من ربك ، فلا تكن من الممترين ..) ثم بدأ تحرك الحق ، تنزلاً من الحقيقة ، في منازل البعد ، منزلة ، منزلة ، في سلم سباعي ، حتى نزل الحق منزلة أسفل سافلين .. وهذا التنزل ، في طريق البعد ، هو ما وردت إليه الإشارة بقوله تعالى (ثم رددناه أسفل سافلين) ومنزلة أسفل سافلين منزلة حق .. فما هي بمنزلة باطل ، إلا في حكم الشريعة .. والحق دائماً نسبي ، والحقيقة مطلقة ... والحق يتحرك يطلب الحقيقة ، وهو يدخل مداخلها كلما تخلص من طرف الباطل الذي اقام عليه حكم الشرع ... ونحن لطرف التنزل من المصدر إلى منزلة أسفل سافلين ، لا نعطي مجالاً في مقدمتنا هذه ، وإنما نعطي كل اعتبارنا لطرف العودة إلى المصدر من منزلة أسفل سافلين ... وإنما ذلك لمكان الإرادة البشرية في هذا الطرف، وانعدامها في ذلك.. ولم تجيء الإرادة البشرية في طرف الورود – السير في مراقي القرب – إلا في وقت متأخر ، ولكنها مع ذلك ، قد أعطت هذا الطرف منزلة الشرف على طرف التنزل ... والموسيقى القرآنية التي تهمنا الآن ، إنما هي معزوفة على الوتر المشدود بين أسفل سافلين ، وبين الحقيقة الآلهية ، في أول نقطة الورود .. في هذا المضمار يرد الترقي بوسائل الشريعة .. ووسائل الطريقة ، ووسائل الحقيقة .. وهذان الطرفان (الحقيقة الآلهية ، وأسفل سافلين) نقيضان ، أو قل: ضدان ، أو قل: زوجان .. وكما أن الموسيقى حركة بين طرفين تريد أن تملأ الفراغ بالنغم المنسجم ، المتسق ، فكذلك العبادة ، هي محاولة لملء الفراغ بين طرفين بتحرك منسق ، ومهذب ، من الطرف الأدنى إلى الطرف الأعلى ، من غير قفزات ، ولا نشوز ، ولا اضطراب .. وهذا وجه من الشبه كبير بين اللحن الموسيقي ، في الموسيقى ، واللحن الموسيقي ، في حياة الحي ، العاقل ، السالك .. وإنما جاء القرآن بموسيقاه التي ذكرناها ليرشد السالكين في طريق عودتهم ، من الاغتراب إلى الوطن – من البعد إلى القرب – أو قل: من الأدنى إلى الأعلى ، أو قل: من الحيوانية إلى الإنسانية .. (الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ..) والضدان ، أو قل الزوجان هما أصل الوجود الحادث (ومن كل شئ خلقنا زوجين ، لعلكم تذكرون * ففروا إلى الله ، أني لكم منه نذير مبين) .. وإنما خلق الله ، في الوجود ، الزوجين .. لنفهم عنه نحن لأن عقولنا لا تميز الأشياء إلا باضدادها .. فنحن لا نعرف الحلو إلا بوجود المر ، ولا نعرف الخير إلا بوجود الشر ، ولا نعرف الحياة إلا بوجود الموت ، ولا نعرف النور إلا بوجود الظلام .. فكل شئ قد خلق زوجين اثنين (سبحان الذي خلق الأزواج كلها: مما تنبت الأرض ، ومن أنفسهم ، ومما لا يعلمون ..) وفي قمة الأزواج الله والإنسان الكامل .. وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى (ومما لا يعلمون ..) .. وفي سيرنا في العوالم إنما نحن سائرون إلى الله – انما نحن مرتفعون من الأدنى إلى الأعلى – نستعين ، في سيرنا ، بالتمييز المستمر الذي تروض عقولنا عليه الأزواج المختلفة ، في الموجودات المختلفة ، إذ نحن مأمورون بالسير من الموجودات إلى الموجد ، ومن الأكوان إلى المكون .. (ففروا إلى الله ، أني لكم منه نذير مبين)، وإنما انزل الله القرآن ليعيننا على تسديد وترشيد ، فرارنا هذا ، من كل ما سوى الله ، إلى الله ، .. ولقد استعمل القرآن في موسيقاه الحرف ، واستعمل الكلمة .. استعمل الكلمة في دقة من المعاني معجز ، وفي جمال من التركيب معجز ، وفي لحن من النظم الفني يبعث في النفس الطرب ، والنشاط ، والرغبة في التكرار الذي لا يمل .. ولم يستعمل القرآن الحروف إلا بعد ان استنفد وسع الكلمات .. وهو إنما استعمل الحروف ليخبرنا أن معانيه أكبر من أن تؤديها الكلمات ، مهما طوعت .. وتبدأ الحروف ، على ذلك ، بعد أن تعجز الكلمات .. ولقد استعمل القرآن أربعة عشر حرفاً ، من الحروف الأبجدية الثمانية والعشرين ، في افتتاح تسع وعشرين سورة ، على أربع عشرة تشكيلة .. ومعاني الحروف عنده تنزل في ثلاث مراتب: مرتبة الحروف الرقمية ، وهذه هي الثمانية والعشرون حرفاً المعروفة في أبجدية اللغة العربية .. وأعلى منها مرتبة الحروف الصوتية ، وهذه تتعلق بالأصوات .. والأصوات بدورها تتعلق بالحركات .. ولقد قررنا أن جميع ذرات الوجود في حركة لا تنقطع .. فهي أذن مصوتة ، وأصواتها لا تنقطع .. فنسبة الحروف الرقمية إلى الحروف الصوتية كالقطرة إلى المحيط .. ثم أوسع من هذه ، وتليها في الرفاعة ، مرتبة الحروف الفكرية .. وحركة الفكر أسرع من حركة المادة ، في ألطف صورها – الضوء .. حركة الفكر أسرع من سرعة الضوء .. فالحروف الفكرية تكاد في سعتها تلحق بالإطلاق .. وهي في الحقيقة ، تقف على عتبة الإطلاق .. فعندما يتناهى الفكر في الحركة يعجز عن الحركة ، ويتوقف .. وفي نقطة توقفه يبدأ الإطلاق .. وهذه النقطة هي قمة ما توصل إليه إشارة القرآن .. فالقرآن ، في جملة ما تؤدي كلماته ، وحروفه ، ليس هو عبارة عن الذات ، وإنما هو مجرد إشارة إلى الذات .. فالذات فوق العبارة ، وهي ، في الحقيقة ، فوق الإشارة .. فغاية ما تؤدي إليه موسيقى القرآن هي توصيلنا إلى عتبة الذات ، ثم تخلي بين حياتنا ، وبين الحياة السرمدية ، الخالدة ، التي لا تحيط بها العبارة ، وتقصر عنها حتى الإشارة .. (راجع الرسالة الثانية من الإسلام).
فقمة ما تؤدي إليه موسيقى القرآن إذن هو قمة ما تنتهي إليه الحروف الفكرية .. وإنما تنتهي الحروف الفكرية إلى حالة التوقف – إلى حالة عجز الفكر عن التفكير – وذلك ما سمى ، عند الصوفية ، بحالة العجز عن الإدراك ، وقد قالوا فيه: العجز عن الإدراك ، إدراك .. وهو بعينه ما يعرف عندهم بحالة الحيرة .. وعن هذه الحالة يقول سلطان العاشقين ابن الفارض:
زدني بفرض الحسن فيك تحيرا * وأرحم حشى بلظى هواك تسعرا
وهذه الحالة هي حالة الوقوف على عتبة الذات .. وإنما يحار الفكر فيها لانقطاع الضدية عنها .. فهي أحدية الصفة ، وترية الوجود .. وفي هذا المستوى يبلغ الفكر ذروة قوته ، واستحصاده .. ويبلغ القلب ، تبعاً لذلك ، قمة رحابته ، وسلامته .. ويبلغ الحي بهذين قمة حياة الفكر وحياة الشعور .. وهذه هي الحياة التي ينتهي إليها الترقي في الصفات السبع ، التي هي صفات إلهية ، وقد وردت الإشارة إليها في أول المقدمة ، وهي الحياة ، والعلم ، والإرادة ، والقدرة ، والسمع ، والبصر والكلام .. هذا باعتبار التنزل – باعتبار السير في طريق البعد – أما باعتبار المعراج – باعتبار السير في طريق الرجعى من البعد إلى القرب ، ومن الاغتراب إلى الوطن ، فهي تتصعد هكذا:- الكلام ، فالبصر ، فالسمع ، فالقدرة ، فالإرادة ، فالعلم ، فالحياة .. وهذا هو اتجاه موسيقى القرآن الذي سقناه إلى عتبة حيرة الفكر.
ان الفكر لهو الأكسير الذي به تتسع الحياة ، وتتعمق ... وهو من أجل ذلك ، وظيفة القرآن الأولى .. ولقد قال تبارك وتعالى في ذلك (وما أرسلنا ، من قبلك ، إلا رجالاً ، نوحي إليهم ، فأسالوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون * بالبينات ، والزبر .. وأنزلنا إليك الذكر ، لتبين للناس ما نزل إليهم .. ولعلهم يتفكرون) .. (وأنزلنا إليك الذكر) يعني القرآن كله (لتبين للناس ما نزل إليهم) وهو القدر من القرآن الذي يطيقونه ، ويحتاجونه ، تبينه بالتشريع ، وبالتفسير .. (ولعلهم يتفكرون) يعني ان الغرض من إرسال الرسول ، ومن انزال القرآن ، ومن تبيينه بالتشريع وبالتفسير ، هو أن يتفكر الناس ، وأن يقوى تفكيرهم بالرياضة ، وبالمرانة في العبادات .. ولقد أفادت الآية السابقة لهذه نفس المعنى .. فكأنما جميع رسالات السماء ، وجميع كتب السماء ، مطوعة لترويض الفكر .. فالفكر هو خادم الحياة القوي ، الأمين ... ولقد سايرت موسيقى القرآن الفكر ، من لدن أسفل سافلين – من لدن بروز الإنسان في المادة غير العضوية "ذرة غاز الهيدروجين" ، حتى بلغت هذه المادة غير العضوية مرتبة المادة العضوية ، ببروز حيوان الخلية الواحدة ، وما أنفكت تسايره ، وتتعهده ، وتمخضه ، من حياة الحي ، كما تمخض الزبدة من اللبن ، حتى بلغت به طور البشرية الحاضرة .. وهي لن تنفك تسايره ، وتتعهده ، وتروضه ، وتهذبه ، حتى تبلغ به مرتبة الإنسان الكامل .. وهيهات!!.
لقد قررنا أن موسيقى القرآن معزوفة على وتر مشدود بين طرفين ، وتتحرك فيه نقطة .. وقررنا أن هذين الطرفين هما "الباطل، والحقيقة" .. وقررنا أن الباطل ليس باطلاً مطلقاً ، وإنما هو أدنى منازل الحق .. وقررنا أيضاً أن النقطة التي تتحرك إنما هي الحق ، متطوراً نحو الحقيقة ، منطلقاً من أدنى منازله .. ونقرر هنا أن هذه الهيئة إنما هي هيئة الفكر .. فالفكر حركة بين طرفين ، هما: الذاكرة ، والخيال .. فكأنما الهيئة هيئة ثالوث ، على الطرفين النقيضان ، ويتحرك بينهما متحرك هدفه التوحيد بين النقيضين ففي ذلك اكتماله ، واستواؤه .. فالفكر يبلغ أقوى ما يكون حين يستوي على خط الاستواء بين هذين النقيضين – الذاكرة والخيال .. وعندما جعلت وظيفة القرآن ترويض هذا الفكر ، وتهذيبه ، جعل خير ما فيه الكلمة "لا إله إلا الله" .. ولقد جاءت لا إله إلا الله ، بين النفي "لا" والإثبات "إلا" فلكأنها تقرر أن الحق ، أقوى ما يكون الحق ، لا هو إلى طرف النفى ، ولا هو إلى طرف الإثبات .. وإنما هو "بين بين" ونقطة "البين بين" هي نقطة الاستقامة التي قال عنها المعصوم (شيبتني هود وأخواتها) ، وذلك في قوله تبارك وتعالى من سورة هود (فاستقم كما أمرت ، ومن تاب معك ، ولا تطغوا .. انه بما تعملون بصير) ... ففي تحقيق الاستقامة تدريج الفكر ، وتهذيبه ، وتقويته ، وتحييده عن الميل لأي من الطرفين اللذين يتجاذبانه ... وهذه هي وظيفة تحقيق التوحيد ، بكلمة التوحيد "لا إله إلا الله" وإنما من أجل تحقيقها.. جاءت عبادات الإسلام ، وعاداته ، جاءت الصلاة بحضرتيها ، - حضرة الإحرام ، وحضرة السلام- ولقد فرضت الصلاة فوق السموات السبع ... وجعلت حركات الركعة سبع حركات .. وجعل السجود ، الذي هو قمة حركات الصلاة ، على سبعة عظام ، من عظام الجسد ... فهذه الحركات "السباعية" هي بسبيل من منازل الحركات السبع ، التي أكثرنا ذكرها في حديثنا في هذه المقدمة ، حتى لقد تحدثنا عن السلم السباعي في الموسيقى.
وبمناسبة سلم الموسيقى السباعي ، فإن حركة الفكر أيضاً تسير في سلم سباعي .. لقد سبق أن قررنا أن الفكر يتحرك بين طرفين .. هما: الذاكرة، والخيال ، ونحن لا نخرج عن هذا المعنى إذا قررنا أن هذين الطرفين هما الماضي ، والمستقبل .. فجولان الفكر بين طرفي الذاكرة (الماضي) والخيال (المستقبل) ، يعزف على سلم سباعي ، هذا السلم السباعي يعرف عند السادة الصوفية بمراتب النفوس السبع .. وهي: النفس الإمارة ، والنفس اللوامة ، والنفس الملهمة ، والنفس المطمئنة ، والنفس الراضية ، والنفس المرضية ، والنفس الكاملة .. ومراتب النفوس هذه إنما هي طبقات العقل .. وهي هي طبقات النفس في عين الوقت ، فالأطراف اللطيفة من مراتب النفوس هي مراتب عقول .. إذ ما الفرق بين العقل والنفس إلا الفرق بين الإرادة والشهوة .. فللعقل الإرادة ، وهي مسيطرة ، وللنفس الشهوة ، وهي مقهورة ، ومروضة ، عند العقلاء العارفين .. فالعارف لا يتحرك عن شهوة ، وإنما يتحرك عن إرادة ... وجولان الفكر بين الماضي والمستقبل إنما يبتغي أن يعيش صاحبه في اللحظة الحاضرة ، لأن اللحظة الحاضرة هي وحدها الزمن الحقيقي .. والذي يعيش فيها وحده هو الذي يحيا الحياة الكاملة ، الخالدة .. هل تدرون لماذا نجد المتعة في الفنون؟ لأنها تريح فكرنا من الذبذبة بين الماضي والمستقبل ، وتتيح لنا فرصة العيش في اللحظة الحاضرة .. هذه خاصية في جميع الفنون .. تتفاوت فيها بضروبها المختلفة ، مع الأشخاص المختلفين ، فأنت إذا سمعت قطعة موسيقية راقية .. أو شهدت فليماً سينمائياً جيد الموضوع ، متقن الأداء ، فإنك تظل مشدوداً إلى الشاشة مثلاً ، منحصراً في تسلسل صور الممثلين ، ومنشغلاً بأدائهم ، بجمعية لا تبقي لك فرصة للتوزع بين الماضي والمستقبل ، حتى لكأن الزمن قد توقف ، في حقك ، في تلك اللحظة التي تعيشها ، وهي لحظة تكاد أن تكون خارج الزمان ... الانتصار على الزمن الذي تحققه لنا الفنون الجميلة هو أس سعادتنا بها ، ومن ثم هو أصل تعلقنا بها .. هذا الانتصار على الزمن هو الحكمة في مشروعية الصلاة ، التي هي أعلى العبادات .. ولقد قررنا أنها فرضت من فوق السموات السبع .. ونقرر هنا أيضاً أنها فرضت في موضعين ، على مستويين .. فأما الصلاة الفرعية ، وهي المعروفة بالصلاة الشرعية ، فقد فرضت في موضع مقام قاب فوسين أو أدنى (ثم دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى) .. وهذا مقام شفعية – شفع جبريل فيه النبي – وهي ، لمكان الشفعية هذه ، قد جاءت مرهونة بمواقيت (ان الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) يعني "فرضاً" له أوقات يؤدى فيها .. وأما الصلاة الأصلية فقد فرضت في موضع مقام ما زاغ البصر وما طغى (إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى) وهذا مقام وترية .. تمت الوترية فيه للنبي بتخلف واسطته عنه – جبريل – إذ ليس له ههنا مقام .. وإنما دل على وترية هذا المقام وصف الله حال النبي فيه بقوله تبارك من قائل (مازاغ البصر وما طغى) و"البصر" ههنا "الفكر" .. و"زاغ" يعني ما انشغل بالماضي .. "وما طغى" يعني ما انشغل بالمستقبل .. وإنما توقف في لحظته الحاضرة .. فكأن النبي قد توحد ههنا .. حتى لقد أصبح وحدة ذاتية ، في وحدة مكانية ، في وحدة زمانية .. وتدق هاتان الوحدتان حتى أنهما لتخرجان عن المكان والزمان .. ومن ههنا فقد تمت له رؤية من لا يحويه المكان ولا الزمان .. ولما كانت هذه الصلاة في مقام الوترية فإنها ليست مرهونة بميقات .. وإنما مواقيتها الأنفاس الصاعدة والهابطة .. ولقد قال النبي عن الصلاة الفرعية .. (الصلاة معراج العبد إلى ربه) .. وعن الصلاة الأصلية (الصلاة صلة بين العبد وربه) .. فجعلت الصلاة الشرعية سلماً يرقى باتقانه المصلي إلى مرتبة الصلة ، حتى يكون في حضرة دائمة مع ربه .. راجع "رسالة الصلاة" و"تعلموا كيف تصلون".
معلوم أن الصلاة الشرعية تبدأ بداية هي من البساطة بحيث يطيق أداءها بإحسان أقل الناس ذكاء .. وهذه الصلاة تشكل قاعدة الهرم الذي قمته في صلاة الصلة .. فإذا وضح أن الصلاة هي موسيقى القرآن – ولقد حاولنا توضيح ذلك في مقدمتنا هذه – فإن هذه الموسيقى ، إذا ما قورنت بالموسيقى المعروفة لدينا في الفنون ، فإن المقارنة لا تنهض ، وتنقطع من جميع الوجوه .. والإنشغال بها ، وبضروب الفنون الأخرى ، بخاصة للمبتدئين ، إنشغال بخلاف الأولى ، وتقديم للمفضول على الفاضل .. ومضيعة للوقت في غير وجه حكيم ... وهذا ما من أجله حرمت الفنون في الإسلام ، في المرحلة .. أما للمنتهين المستوين على الجادة في نهايات السلوك ، فإنها غير محرمة ، على النحو الذي بينا ، في متن المحاضرة ، ذلك لأن المستوين على الجادة من أصحاب النهايات يعرفون كيف يعطون كل مقام مقاله ، وكيف يرتفقون بجميع الأحياء والأشياء في السير إلى الله .. وإلى هؤلاء تقدمنا بإهداء هذا الكتاب ، ولقد قلنا في صيغة الإهداء:-
إلى المنفتحين على الله ،
السالكين إليه كل السبل ،
فإنه أن من شئ إلا وهو إلى الله سبيل !!
(وإن من شئ إلا يسبح بحمده ، ولكن لا تفقهون تسبيحهم ...).
وأما المبتدئون فإنا ندعوهم إلى أن يعبدوا بذكاء ، مبتدئين من الصلاة الفرعية – صلاة المعراج – الصلاة الشرعية المعروفة – سائرين في تقليد المعصوم بإتقان ، وبذهن مفتوح ، في سنة عبادته ، وفيما يطيقون من سنة عادته .. أنهم أن يفعلوا ذلك ، يرتقوا ، كل يوم جديد ، درجة جديدة من درجات القرب من الذات العلية ، ويتهيئوا ليسمعوا تسبيح المسبحين بحمد رب العالمين.
أما بعد ، فإن هذه المقدمة قد طالت ، وإنا لنجد مجال القول فيها ذا سعة .. ولكن المجال ، والزمن لا يسعفان ، فلنقبض عنان القلم .. ولنضرع إلى الله أن يهدينا .. وأن يهدي بنا ، وأن يعلمنا ، وأن يعلم بنا .. أنه نعم المولى ونعم النصير.