ليس هنالك رجل هو من الكمال بحيث يؤتمن على حريات الآخرين، فثمن الحرية الفردية المطلقة هو دوام سهر كل فرد على حراستها واستعداده لتحمل نتائج تصرفه فيها

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (أسس دستور السودان)




بيت الطاعة: المشكلة والحل

مأساة فتاتنا السودانية تجسيد لقصور القضاء الشرعى

مأساة فتاتنا السودانية تجسيد لقصور القضاء الشرعى


ونحن نسوق لشعبنا الكريم في هذا المنشور القصير، مأساة فتاة سودانية، راحت ضحية لتخلف قوانين الأحوال الشخصية، ولقصور قضاتها عن تفهم طبيعة الحياة الجديدة، ومواجهة تحدياتها، نشرت بجريدة الصحافة تحت عنوان ((فاتن ضحية بيت الطاعة)).. وقد عبرت صاحبة المأساة عن أسفها لعدم استجابة المسئولين الذين قصدتهم بشكواها، بعد أن استيأست من إحراز حكم عادل في محاكم دوائر الأحوال الشخصية..
ومن حسن التوفيق أن هذه الفتاة قد أعادت نشر مأساتها بجريدة الأيام الصادرة صباح 15/6/1975، تحت عنوان: أريد حلا.. في نفس الوقت الذى أشارت فيه الى قصة الفيلم المصرى ((أريد حلا)) الذى جسد تجربتها الزوجية المؤلمة تجسيدا تاما ومعبرا، حتى ظنت وهى تشاهده، أنها ترى قضيتها تعرض على الشاشة، ومن حسن التوفيق ايضا أن محررة صفحة المرأة بالأيام قد نشرت وفى نفس الصفحة مع مأساة فتاتنا السودانية، تقديما وتلخيصا لفلم ((أريد حلا)) كتبه مكتب الأحوال الشخصية بإتحاد نساء السودان مناديا بقوله: ((نحن بدورنا وبإسم إتحاد نساء السودان نريد حلا، وبأسم المرأة السودانية في عام المرأة نريد حلا جذريا وإلغاءا تاما لحكم بيت الطاعة وما يقوم عليه من ممارسات وتبعات)).. وبإعادة نشر قضية فاتن، وما تبعها من نشر قصة الفيلم بواسطة مكتب الأحوال الشخصية على مستوى جديد، نجح الفيلم في عرضها وتجسيدها كما نجح في نفس الوقت في تسليط الأضواء على قصور قوانين الأحوال الشخصية، وما تسوق إليه من تعاسة ومذلة وحرمان.. ولكأننا بهذا النشر المجسد لتخلف قوانين الأحوال الشخصية وقضاتها، قد جاء على قدر، لا سيما في هذا الوقت الذى أعلن فيه الجمهوريون تصعيد مواجهتهم الحاسمة لتصفية الوجود القانوني لهذه المحاكم ولاولئك الأشياخ الذين نفرّوا بقضائهم المتخلف عن الدين وعن إحترامه.. تركزت أهداف فيلم ((أريد حلا)) الذى تطابق مع مشكلة فتاتنا السودانية، في تسليط الضوء على قصور قوانين الأحوال الشخصية، ولاسيما ما اتصل منها ب (بيت الطاعة)..
ولقد جرت قصة الفيلم على فتاة تزوجت من شاب مستهتر بكل القيم الزوجية، فلما حاولت جهدها ان تجد حلا، يضع حدا لواقعها المرير، ولم توفق، لجأت للقضاء تطلب الطلاق فلم تقبل دعواها ولم يستجب لها.. وبينما هى في حيرة من أمرها تقدم زوجها الى نفس تلك المحاكم يطلب حكم الطاعة من زوجته! ومن غير اعتبار لكل تلك الظروف المتعلقة بالفتاة، والتى أستندت عليها في دعواها، قضت له تلك المحاكم ((بالطاعة)) وظلت الزوجة في حيرة من أمرها حتى تهيأت لها فرصة لقاء وزير العدل عن طريق صديقتها الصحفية، فاستمع الى مشكلتها، ولكنه لم يستطيع ان يفعل شيئا غير أن يتدخل لايقاف تنفيذ الطاعة عن طريق البوليس، مع الإبقاء على الحكم.. ومنذ ذلك اليوم ظلت تتردد على المحاكم، مستأنفة لقرار الحكم عليها بالطاعة، ولكنها فشلت في كل مراحل التقاضي عن إحراز الحكم العادل الذى انتظرته زمنا.. حتى جاءها الرد التقليدى التالى ((أبدئى من الاول)).. فانهارت باكية تقول ((بعد أربع سنوات ضاعت من عمرى عذاب وقهر أبدأ من الاول؟)).
هكذا كانت نهاية الفيلم، ومن عجب فقد كانت متطابقة مع نهاية مأساة فتاتنا السودانية، التي جاءها الرد من قمة الجهاز القضائى لدوائر الأحوال الشخصية، وبعد أربع سنوات أيضا من العذاب والتردد على ساحات المحاكم بالنص الاتى: ((أود افادتك بأن هذه القضية قد وصلت الى أعلى مراحل التقاضي، وليس هناك مايمكن عمله تجاهك، الا أنه في وسعك أن تتقدمي برفع دعوى جديدة، اذا توفرت لديك الأسباب – وشكرا))
ان هذا الرد الضعيف المتناقض ليس غريبا أن يصدر من قضاة دوائر الأحوال الشخصية في كل مستوياتهم من القاعدة الى القمة، بسبب الجهل المشترك بينهم، والذى حجر فكرهم وبلد مشاعرهم.. ثم من حقنا أن نتساءل من أين لهذا الفتاة أن تاتى بأسباب جديدة؟ ولمن ترفعها! أليست النتيجة معلومة سلفا؟ وهل سيكون الرد في خاتمة المطاف، غير الرد الذى سقناه أعلاه ((أود افادتك بأن هذه القضية قد وصلت الى أعلى مراحل التقاضي، وليس هناك مايمكن عمله تجاهك، الا أنه في وسعك أن تتقدمي برفع دعوى جديدة، اذا توفرت لديك الأسباب – وشكرا))!!