والخوف، من حيث هو، هـو الأب الشرعي لكل آفات الأخلاق ومعايب السلوك، ولن تتم كمالات الرجولة للرجل وهـو خائف، ولا تتـم كمالات الأنوثـة للأنثى وهي خائفة، في أي مستوى من الخوف، وفي أي لـون من ألوانه، فالكمال في السلامة من الخوف.
ولن يتم تحرير الفرد من جميع صور الخوف الموروث إلا بالعلم.. العلم بدقائق حقيقة البيئة الطبيعية التي عاش، ويعيش فيها، والتي كانت سببا مباشرا لترسيب الخوف في أغوار نفسه، فإن الخوف جهل والجهل لا يحارب إلا بالعلم.. ومن أجل ذلك وجب الاهتمام بإعطاء الفرد صورة كاملة، وصحيحة، عن علاقته بالمجتمع، وعن علاقته بالكون، وهو ما نحن بصدده منذ حين.

الأستاذ محمود محمد طه - كتاب (الرسالة الثانية من الإسلام)

menu search

التعليم

التعليم: خطاب إلى عميد معهد بخت الرضا الأستاذ عثمان محجوب


كانت وزارة المعارف ، في أواخر عام 1958 ، قد إستدعت لجنة تجلس في الخرطوم ، فترفع ، توصياتها بخصوص السلم التعليمي .. فكانت لجنة عكراوي .. وكان الأستاذ عثمان محجوب ، عميد معهد بخت الرضا يومئذ ، معنيا بهذه اللجنة ، بصورة خاصة ، وقد طلب إلي أن أحاول تقديم بحث عن التعليم بمناسبة إنعقاد جلسات هذه اللجنة .. فكانت النتيجة هذا الخطاب:-

الخرطوم في 24/12/1958
عزيزي عثمان:
تحية طيبة ، وأرجو أن تكون قد وصلت بخير ..
وبعد ، فبالإشارة للمحادثة ، قبيل سفرك ، فإني أرسل إليك ببعض ما أرى في مسألة التعليم ، وأرجو أن يكون له في نفسك وقع حسن .. فإني أرى أنه لا بد ، لتخطيط مناهج التعليم ، من الرجوع إلى الأصول ، إذا ما أردنا تعليمنا أن يكون مثمرا، ونافعا .. والنظرة العجلى للأصل تدلنا على أن مناهج التعليم التي نرسمها يجب ، قبل كل شيء ، أن تهدف إلى تعليم الطالب كيف يعلم نفسه ، وكيف يكلف بمواصلة هذا التعليم ، طوال حياته ، التعليم الذاتي .. وأما حشو ادمغة الطلبة بطائفة مختارة من المعلومات المتنوعة ، والكثيرة ، والتي يجلس أحدهم ليجوز الإمتحان فيها ليواصل سيره في المراحل المختلفة فإنها طريقة فاشلة ، وفي الحقيقة ، مضرة .. والواقع أن الحياة نفسها تتطلب من الإنسان أن يظل طالب علم طوال حياته .. فإن نحن إستطعنا أن نعطيه ، في التعليم النظامي الذي تقيمه الحكومات المتمدينة ، الأسلوب العلمي الذي به يستطيع أن يعلم نفسه فقد أعددناه للحياة الإعداد المطلوب ..
إن فائدة التعليم لهي في مقدرة المتعلم أن يوائم بين نفسه وبين بيئته .. ووظيفة التعليم إنما هي أن يأخذ المتعلم صورة كاملة وصحيحة عن البيئة التي يعيش فيها .. ولقد أشرت آنفا إلى الأصول ، وقلت لا بد من الرجوع إليها ، إذا ما أردنا أن نخطط مناهج التعليم ، تخطيطا رشيدا .. وأول ما يجب تقريره ، في الأصول ، أن الإنسان لا يختلف عن الحيوان إختلاف نوع ، وإنما هو اختلاف مقدار .. ومعنى هذا أن الحيوان قابل للتعليم ، وأن الإنسان قابل كذلك ، غير أن قابلية الإنسان تفوق قابلية الحيوان عدة مرات .. والإنسان بغير تعليم ، لا يتميز عن الحيوان ، إلا قليلا ..
وهذا القليل إنما يأتيه ، خلاف الوراثة ، من قبيل أنه ، بخلاف الحيوان يعيش في مجتمع منظم بعرف ، وتقاليد ، وقانون .. فهو يخضع ، في حدود كبيرة ، لنظام الجماعة ، وفي أثناء خضوعه يتعلم ، ويتهذب ، ويمارس السيطرة على نفسه ، بفضل العرف ، والتقليد ، والقانون ..
والإنسان، قبل أن يعيش في المجتمع، كان حيوانا فرديا فاضطرته قسوة الحياة، في بيئته الطبيعية، أن يخترع نظام الجماعة، وأن ينزل عن قسط كبير من حريته الفردية، فيضبط غرائزه البدائية، مراعاة لحريات الآخرين .. وليس، بالطبع هناك إنسان بعينه، في زمان بعينه، جلس إلى نفسه فاخترع نظام الجماعة، وإنما هو تراث بشري طويل، لم يجيء دفعة واحدة، في زمن واحد، وإنما جاء على تراخي الزمن، وبحكم التطور البطيء جدا، في سحيق الآماد، ثم فرض على الأفراد فرضا، فاضطرهم إلى السيطرة المتمدنة إضطرارا .. فإن عيش الفرد في المجتمع يفرض عليه قواعد سلوك خاصة، في الكسب وفي الإنفاق ، وفي السيرة العامة بين الناس، وقت السلم، ووقت الحرب.. وفي الزواج، وفي بناء الأسرة، وفي إعالتها وحمايتها، إلى غير ذلك .. وهذه القواعد، المرعية بالعرف حينا، وبالقانون حينا آخر، تكون جرثومة الحضارة البشرية، ولها فضل كبير في تعليم الأفراد، وتهذيبهم، قبل أن ينشأ التعليم النظامي الذي نعرفه اليوم ..
ولقد نخرج مما تقدم بمقدمتين:
1) إن الحرية الفردية لدى الإنسان هي الأصل ..
2) إن الحرية الجماعية لا تقوم إلا على الحد من الحرية الفردية وهي، في الحقيقة، وسيلة إليها، وليس بينهما، في حقيقة الأمر، تعارض، وإن بدا هذا التعارض، لدى النظر القصير..
ومن هاتين المقدمتين نتوصل إلى نتيجة واحدة وهي:-
1) أي تعليم يجب أن يمكن الفرد من التحقيق التام للتوفيق بين الحرية الفردية، والحرية الجماعية، حتى لا يعيش في عداء مع نفسه ومع مجتمعه .. والحق أن الفرد الذي يستطيع أن يعيش، عيشة فردية ، مستقيمة ، حرة، خصبة، منتجة، يستطيع أن يعيش في المجتمع فيكون مفيدا، نافعا، منتجا .. بل أنه ليستمد سعادته الفردية من إسعاد الآخرين ..
فإذا كان ما تقدم صحيحا فقد يبدو أن التعليم يجب أن يقع في قسمين كبيرين:-
1) التعليم المهني . 2) التعليم الخلقي ..
أما الأول فضروري، لأن المجتمع لا يخدم، خدمة نافعة معينة على التقدم والتمدن، إلا بفضل المهارة المهنية .. هذا إلى جانب أهمية المهارة المهنية للحرية الفردية نفسها، ذلك بأن الإنسان، بالعمل المتقن، يحقق شخصيته، ويصحح رأيه في نفسه، ويوجد التجانس، والتوحيد، بين عقله، وجسده، هذا بفضل المجهود الموحد الذي يتطلبه العمل المتقن من كل من اليد، والعين والعقل، في آن واحد ..
وأما التعليم الخلقي فضروري، لأن المجتمع لا يعاشر بشيء كما يعاشر بالخلق .. والحق أن القانون نفسه طرف من الأخلاق .. وهذا إلى جانب أن الخلق يجعل الفرد يحسن التصرف في معاشرة مجتمعه بطريقة تلقائية، لا يراعى فيها جانب القانون، ولا الخوف من العقوبة التي تترتب على المخالفة .. فيكون سلوكه، في المجتمع مستمدا من قيمه الخلقية، ومن محاسبة ضميره إياه، لا من خوف العقاب .. وهذا لمما يحقق الحرية الفردية العالية، ويحقق التوفيق بين حرية الجماعة وحرية الفرد .. ويفض التعارض البادي بينهما، لدى النظرة القصيرة ..