هكذا كان الإخوان الجمهوريون يرددون في حلقاتهم الدينية مستلهمين التراث الصوفي الذي إنتشر في السودان منذ قرون ومسترشدين بمباديء محمود محمد طه الذي لقبوه بالأستاذ.. ولد طه عام ١٩٠٩ في مدينة رفاعة وسط السودان وتلقى تعليماً دينياً في مراحله الأولى، ثم إنتظم في التعليم المدني ودرس الهندسة في كلية غردون التذكارية، التي تحولت فيما بعد إلى جامعةالخرطوم.. أسس طه الحزب الجمهوري عام١٩٤٥ مطالباً بالاستقلال عن دولتي الحكم الثنائي إنجلترا ومصر، لكن الأخوان الجمهوريين عرفوا بعد استقلال السودن بأعتبارهم جماعة دينية تدعو إلى النهوض بالمجتمع أكتر من كونهم حزباً سياسياً يسعى إلى الوصول إلى السلطة..
بدأت المواجهة بين الأخوان الجمهوريين والرئيس السوداني السابق جعفر نميري في سبتمبر أيلول عام ١٩٨٣ عندما أصدر نميري قوانين قال إنها تمثل الشريعة الإسلامية نصت على تطبيق عقوبات حدية من قطع يد السارق وجلد شارب الخمر فأعلن طه والجمهوريون معارضتهم لتلك القوانين.. في الخامس والعشرين من ديسمبر أيلول عام ١٩٨٤ وبعد إسبوع فقط من مغادرته المعتقل أصدر طه منشوراً شهيراً بعنوان "هذا أو الطوفان" طالب فيه بالغاء قوانين سبتمبر واصفاً إياها بأنها تشويه للدين.. أعتقل طه صباح اليوم التالي وقدم إلى المحاكمة في يناير كانون الثاني عام ١٩٨٥ حيث القى أمام المحكمة كلمة واحدة أعرب فيها عن عدم إعترافه بها وجدد خلالها من إنتقاده لقوانين سبتمبر..
في الثامن من يناير أصدرت المحكمة حكمها بإعدام طه بتهمة الإرتداد عن الدين الإسلامي وتم تأييد الحكم في الخامس عشر من يناير..
كانت الفرصة الأخيرة لإنقاذ طه من حبل المشنقة هي عدم مصادقة الرئيس السابق جعفر نميري على الحكم.. لكن نميري أطل على شاشة التلفزيون السوداني مساء الخميس السابع عشر من يناير كانون الأول ليلقي خطبة طويلة أعلن خلالها تأييد حكم الإعدام وهاجم فيها أفكار الجمهوريين .. وفي صباح الجمعة الثامن عشر من يناير كانون الثاني عام ١٩٨٥ نفذ حكم الإعدام على طه الذي كان يبلغ من العمر ٧٦ عاماً حينها.. وبعد مرور ثمانية وعشرين عاماً لا تزال ذكرى إعدام طه تثير الكثير من الجدل والنقاش وسط المثقفين السودانين وتعيد إلى الأذهان السؤال القديم المتجدد بشأن الحريات الدينية وحرية الراي والتعبير في الدول العربية والإسلامية بصورة عامة وفي السودان على وجه الخصوص.
عمر عبد العزيز البي بي سي