الإنسان ما بيضع نفسه ضد الإرادة، وإنما بيضع نفسه أو بيرفض الشر في الإرادة، وينمّي الخير، ويلزم الخير.
بعدين جاء حديث عن: الخير هو شنو؟ والشر هو شنو؟
قيل فيها: أنه الخير هو العلم، والشر هو الجهل.
وقيل في الجانب دا برضو: الحياة والفناء.. الحياة هي الخير، والموت أو الفناء هو الشر.
وفي جانب العلم، جات عبارة أنه ما كل علم هو العلم المطلوب، في العلم بالقشور، والعلم بالأشياء الباطلة، العلم بالأشياء الفانية، وده ما هو العلم المطلوب.. زي العبارة هناك: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون، يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون).. فسمّى علم ظاهر الحياة الدنيا، ما هو علم.
في الإجابة على السؤال ده، ورد أنه العلم المطلوب هو العلم ببواطن الأمور.. العلم بالظاهر والباطن.. الظاهر فعل الله.. والباطن حكمته وراء فعله.. جاءت الحكمة... العلم المطلوب هو المعرفة بحكمة الله في فعله.
بعدين جاءت الآية: (قل لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسني السوء).. فالآية دي فعلاً جابت الخير والشر.. (قل لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسني السوء).. يعني: لنجيت من الشر، وبقيت مع الخير، لو كنت أعلم الغيب.
أها الغيب مستوياته كثيرة.. في قمته: الله.. (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله).. أصبح ده الله، ذات الله.. أصله الوجود تنزّل من ذات الله.. والذات علم مطلق، وحياة مطلقة، وخير مطلق.. في التنزّلات، نزلت الثنائية، وجاء الخير والشر، أو العلم والجهل، أو الخالق والمخلوق، الرب والعبد.. فدي الثنائية اللي بيها أمكن أن تبرز الخلقة من الله - يبرز الإنسان من الله.. و (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم).. دا، لمّاً كان الإنسان في علم الله، اللي هو ذات الله.. (ثم رددناه أسفل سافلين)، في مرحلة العلم والإرادة والقدرة.. برز الإنسان في الثنائية بالصورة دي.. وبالثنائية يُدرِك.. (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون).
فهو كأنما نزل لمرتبة الجهل ليتعلّم، ويترقّى بوسيلة، وسيلة أودعت فيه، اللي هي وسيلة عقله.
ومن أجل أن نعرف نحن، جاءت الثنائية، اللي هي يمثلها العلم والجهل، أو الخير والشر، والأشياء التانية كلها: الحياة والموت، مثلاً... دي كلها صور من صور الثنائية.
الخير هو الحياة، والشر الموت.. وفي الصور الحسية، وفي الصور المعنوية، المسألة دي منطبقة.. في الصور المعنوية، الموت هو الجهل أو الكفر.. عند الله، الموت هو الكفر.. وعندنا نحن، الموت هو الفناء، البيلزم، البيظهر لينا بقطع الحياة، الموت الحسّي.. ونحن عندنا ده قمة الخوف، قمة ما نخافه وما نجهله هو الموت.. ما بنعرف بعده في شنو.
الناس اللي استطاعوا أن يعرفوا ما بعد الموت، ما خافوا من الموت.. ودي صورة من الغيب.. لمّاً تطّلع على ما بعد الموت، اطلعت على الغيب.
والعلم اللي قال فيه: (قل لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسني السوء).. لو كنت أعرف الله، لكان حياتي حياة كاملة، وما مسني السوء.. ممكن أن تقول: ما لحقني الموت، بقيت خالد.. ودي الحقيقة محاولتنا كلنا.
العبارة اللي جابها يوسف في مسألة اللذة: الخير هو اللذة الباقية.. هي دي صورة من العلم والحياة.. ويمكن للإنسان أن يقول: اللذة هي تعبير الحياة عن وجودها.
ونحن عندنا التنزّلات في مدارج الأسماء.. الأسماء السبعة، الأسماء النفسية السبعة، قمتها الحياة..
والحياة هي ذاته.. الحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام.. دي التنزلات، اللي هي من أسفلها بتبقى معارج للإنسان ليرتقي فيها.
وأول العلم: الإيمان.. حتى: (ألم، ذلك الكتاب لا ريب فيه، هدىً للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون).. يؤمنون بالغيب.. أها الغيب يبتدي من موعود الله بالحياة التانية، اليوم الآخر مثلاً، الجنة والنار، الله، الله.. نؤمن به.. أول ما نؤمن، وجب علينا عمل معين.
وهنا، في المستوى ده، دخلت مسألة الشريعة، ودخل مسألة المستقبل، اللي هو بيهو يتميّز الإنسان عن الحيوان.
اللذة اللي قبيلك قلنا هي تعبير الحياة، برزت مع أول حي.. أول حي قانونه أنه يجري على اللذة ويفر من الألم.
اللذة لمّاً جاءت في مسألة الغيب: "يؤمنون بالغيب"، جاءت اللذة العاجلة واللذة الآجلة.. فاللذة العاجلة هي لذة الحيوان الألفناها من زمان.. أول ما جانا عقلنا، وجاء إيماننا بالغيب، جاءت الجنة والنار، قالوا إنه بعض اللذة حلال، وبعضها حرام.. اللذة الحرام هي اللذة اللي فيها ضرر للمجتمع.. اللذة الحرام هي اللذة اللي فيها ضرر بالناس.
القانون دائمًا بالصورة دي، حتى أنه الإنسان ممكن يكون هو نفسه قانون في ذاته، الحاجة البتؤلمك بتؤلم الآخرين، كما تدين تُدان.. يجب أن تحب للآخرين ما تحبه لنفسك.. بالصورة دي..
فمشى الاتجاه في إننا بقينا مشدودين للغيب، نتجافى عن اللذة الحاضرة، وننتظر اللذة الآجلة.. وده ما جاءت به الشريعة.
يبقى، في المستوى ده، الخير هو ما أمرت به الشريعة، والشر ما نهت عنه الشريعة.. وإن ما أدركنا القيمة الحقيقية فيه أو الحكمة الحقيقية.. وإن قصّر علمنا بحكمة الله في النهي والأمر.. بقى دي مرحلة الإيمان.. إذا كان نحن عملنا بمرحلة الإيمان، نتدرّج في أن نعرف الحكمة في نهيه وأمره.. لكن أول ما نبتدي بيهو هو إيماننا بأنه ما نهانا عنه، لا بد أن يكون شر، وما أمرنا به، لا بد أن يكون خير.
ومن المرحلة دي، في الحقيقة، بدأ العقل ينمو.. لأنه بدأت تكون في سيطرة على النفس، الكانت مسترسلة في تحصيل اللّذة بأي سبيل، اللي هي قانون الحيوان.. فأصبحنا نحن سعاة وراء اللّذة، لكن اللّذة دخلت فيها قيمة.. القيمة دي تخلي.. مثلاً اللّذة القصيرة واللّذة الطويلة، اللّذة الباقية واللّذة الفانية، اللّذة اللي عند الله مرضية، واللّذة اللي عند الله ما مرضية، اللي هي اللّذة الحرام.
فبالصورة دي، أصبح الإنسان بيسعى بمجاهدة، فيها سيطرة على نفسه، وارتفاع.. كأنما الإنسان صاعد، كأنما سيره سير رأسي.. ربنا، لحكمته، ما جعل لذّة حرام، إلا جعل شيء يقابلها من الحلال.. إن كان اتوخينا المجاهدة في السبيل ده، نلقى أنه الرفق بالنفس موجود فيما جاءت لينا به الشريعة من الحلال.
هنا، الإنسان مكلّف بأن يسير في جانب مرضاة الله، في جانب ما يُرضي الله، اللي هو إرادة برضو.. الإنسان مكلّف في أن يسير مع مرضاة الله، وأن يرفض جانب الشر من إرادة الله.
العبارة دي، كنا عايزين ندقّق فيها أنه الإنسان ما بيرفض الإرادة، يرفض الشر، اللّي هو في الحقيقة طرف من الإرادة، مش كل الإرادة.. ما كل الإرادة شر.. طرف من الإرادة خير، وطرف منها شر.. وما دخل الخير في الوجود إلا بإرادة.. ما دخل الشر في الوجود إلا بإرادة.. الشر ما هو أصل، وإنما هو فرع، سببه جهلنا.. عندما نخالف أمر الله، نتورّط في المخالفة، نلقى الشر، ليكون عقوبة لينا، لتعلّمنا، لنرجع إلى أن نلزم جانب الله.
ولذلك، الإنسان إذا لزم جانب الله لزومًا تامًا، لا يرى الشر إطلاقًا.. فالشر عقوبة على المخالفة.. الشر وسيلة لتعليمنا.