وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

العجز عن الكلام والصمت وقيام الليل واتهام النفس والخراب الداخلي

مؤتمر عيد الفطر ١٣٩١ - جلسة الأخوات الثانية - ١٩ نوفمبر ١٩٧١ - ود مدني

العجز عن الكلام والصمت - قيام الليل - اتهام النفس

ّمسألة العجز عن الكلام.. فائزة قالت كانت قبل ما تكون جمهورية، كانت عندها مقدرة على الكلام.. بعدين، مما دخلت الفكرة الجمهورية، زي أصابها زي عجز، تردّد، وهي عندها ما تقوله.. والحقيقة، دي علامة الصحة اللي إحنا عايزينها، نحن بنبحث عنها دائمًا في الإخوان.
عندنا أستاذ جديد اسمه أحمد محمد النميري، هو أستاذ معيد في الجامعة، للّغة الإنجليزية.. بعدين قبيلك، محيي الدين سألني، قال لي "النميري ما اتكلم بالمرة!" وهو حضر عدد من الجلسات، وفعلاً صامت.. لكنه، أول ما جاء، كان كثير الأسئلة وكثير الكلام.. عدد كبير من الإخوان الجمهوريين، بيجوا في الأول، بيتكلموا كثير، وبيسألوا كثير.. بيصمتوا.. أنا قلت له النميري دخل مرحلة الصمت.
ونحن عندنا أنه السالك الما بيصمت، ما بيجيه وقت يحسن الكلام.. قبيلك الإنسان بيتكلم كثير، وقايل عنده حاجة يقولها.. أول ما يبقى جمهوري، يشعر بأنه في حاجات كثيرة جداً هو ما بيعرفها.. عندنا: العالم هو اللي بيعرف أنه جاهل، والجاهل هو اللي بيفتكر أنه عالم.. الإنسان اللي بيتكلم كثير، عنده فكرة عن نفسه أنه بيعرف حاجة، لأنه ما بيعرف الحاجات البيجهلها.. بيعرف الحاجات البيعلمها، وبيشوفها كثيرة.. لكن، أول ما يجي في السلوك، تنفتح عينه على آفاق كبيرة جداً هو ما بيعرفها.. يبتدي يشك في أنه هو بيعرف شي.. يبتدي يشك في أنه هل هو عالم.. هل الحاجة اللي عنده دي بتستحق أن تُقال في مجتمع زي مجتمع الجمهوريين مثلاً.. مستويات كبيرة جداً.. يصمت.
الصمت ده علامة صحة، ونحن فعلاً بنبحث عنّها.. وما عندنا إنسان أحسن الكلام فيما بعد، إلا ودخل في فترة من الصمت، والتردّد، والحياء.. ويشوف أنه هو ما حاجة، وأنه أي زول من الناس القاعدين ديل بيعرف أحسن منه.
فأنت ما تنزعجي لـ دي بالمرة.. وبعدين، بيجيك الوقت اللي يجيك الإذن بالكلام، وبيكون كلامك في مستوى طيب جداً.

الحكاية الثانية بتاعتك، في مسألة القيام.. برضها دي حالة بتزعج.. دي يمكن حالة تزعج أكتر من الصمت لأنه القيام ضروري.. نحن ما عندنا أي حاجة بتعوّض عن قيام الليل.. الخدمة بالنهار للناس، وحب الخير لهم، والخلق الحسن معاهم، ده كله مؤكد مطلوب.. وده محصول الدين.. أصله ده إذا مافي، مافي دين.. لكنه وحده ما كفاية.. بل هو ذاته ما بيتيسر في المستويات المستمرة، وعندما يكون الإنسان أُثير ليغضب، أو يكون في البيت في مشاكل كثيرة، ما بيقدر عليها، إلا إذا كان بيستعين بقيام الليل.
وقيام الليل، حالة من الصفاء، يلاقي فيها العبد ربه، ويصبح على حالة من الانشراح والانبساط والطيبة، أن ما في شيء يكدر عليه.. ده يجي بقيام الليل.. فإذا كان أي واحدة من الأخوات ما بتستطيع قيام الليل، دي مشكلة.. المشكلة دي عندها شيء كثير من الحيل لعلاجها.
من الحيل أن الإنسان ما يساهر.. ما تنومي متأخرة، إلا إذا كان في واجب ضروري.. واجب مباشر.
الطالبة اللي بتذاكر في دروسها، دي مكن تساهر.. إذا ما قامت، في طريقة لها لتجبر بها عدم القيام.. لكن ما تترك واجبها في المذاكرة والسهر.
الزوجة، البتقوم على خدمة زوجها وأهلها وأطفالها، والخدمة دي تاخذها وقت متأخر من الليل، أو تتعبها وترهقها بالصورة اللي ما بتقدر تقوم، ما تنزعج.. في الخدمة دي، إذا توجهت بحسن النية فيها، ونوت وجه الله، في خدمتها، دي ذاتها قيام لها.. دي ما تنزعج.
فيما عدا الأشياء اللي بتكون واجب مباشر تحملك على السهر أو التعب، نومي مبكّرة.
برضو، خلي آخر عملك صلاة العشاء.. ما تصلّي العشاء في أول الوقت، وبعدين تتونسي وتغتابي الناس وتقاطعي وتضحكي وتقرقري في المجلس، بعدين تنامي.. ما بتقومي.. لأن الغفلة ما بتسوق إلا للغفلة.. والنوم غفلة.
وإذا كان آخر عملك من الليل الصلاة — صلاة العشاء — بعدها ما عملتِ حاجة إلا إن تنومي، ده بيخليك قريبة من القيام.
ونحن عندنا واحد من أصحابنا، الشيخ عبد الرحمن ود سراج، كان بعد ما يصلي العشاء، يقول: في مداح؟ الناس كان قالوا له ما في.. يقول: أحسن ننوم، كان ما عملنا خير، النوم أخير.
فإذا كان بعد العشاء في مديح أو ذكر أو مجلس عرفاني، ده بيسوق للانتباه والحضور.. لكن في غير كده، أي نوع من الونسة بعد العشاء مُضر، إلا أن يكون في الله.. إذا كان مديح، أو قرآن، أو علم.. لكن أي ونسة أخرى، في العادة بتتطرق للناس وبتبقى غيبة.. الغيبة غفلة، والغفلة ما يجي منها الخير.. يجي منها النوم.
دي واحدة من الحيل: آخر عملك يكون الصلاة، وبعدين تصلي، وإنت تجي بعد الصلاة لفراشك، وأنت متحضّرة لأن تستعرضي الحاجات الغلط احصلت منك.. إذا قلت كلمة أساءت لإنسان أو إنسانة، أو ضمرت سوء، أو كنت زعلانة وناوية تنتقمي، أو... أو... أو... لآخر حاجات من البتستعرضيهم، وأنت متوسدة يمينك، ومستقبلة القبلة، وعلى طهارة ما صليتِ به العشاء من وضوء.. تستغفري الله في كل حاجة حصلت تذكرتيها.. دي بتحضّرك.. ومن الحاجات دي اللي بتتحضرك.
إذا كان عملتِ الحيل كلها، وبرضو نمتِ، وأخذك النوم، ما تصلي حد اليأس في الندم.. أندمي.. لابد أن تندمي.. لكن، تجعلي على النفس عقوبة، هي أنه تقضّي صلاة الليل في الضحى.
الضحى: مما الشمس ترتفع قدر عود حربة، يقولوا، أول ما النور يبقى أبيض من النور الأصفر داك، بدأ الضحى.
يمكنك أن تصلي صلاة الليل: أربع ركعات، ما بكون فيهن الوتر — الوتر ده أصله من صلاة الليل وبينتهي بليله.. لكن ممكن تقضّي أربع أو ست أو ثمانية، حسب نشاطك، بنيّة قضاء صلاة الليل.. كأنه بتوظّفي على نفسك صلاة الليل كفرض.. إذا فاتتك، بتقضيها.. ده بيكون كأنه غرامة للنفس بشدّها شوية للواجب.
بعدين، الندم اللي بيحصل على أنه فاتك الخير، فيه سؤال لله أن يوفق.. وده بيجي بيهو الخير.. وبالصورة دي، بيجي الوقت اللي بتقومي فيه.
برضو، زي ما عملت فائزة هنا، في أنه تشتكي للمربي.. تتكلمي عن المشكلة.. مُش بس هو الطرق اللي بيقولها لك هي اللي بتعينك، برضو توجه همته لك بتعينك، وبتنتهي المشكلة بالصورة دي.

المسألة الثالثة: اللي هي أنك بترتبكي، بعد ما تلاقي الإخوان، بتمشي تحاسبي نفسك.. هل حصل غلط؟ هل حصل كده؟ مع إنه إنت يعني، في مستوى طيب من السلوك، والإخوان بيشكروه.. لكنك برضو بتتهمي نفسك بالتقصير.. دي برضو ما تزعجك.. بل الحقيقة، ياها دي السلوك.. إذا كان الإنسان ما متفتح في الداخل، ودائمًا عنده شعور بنقصه، ما هو سالك.
الإنسان اللي ما بيعرف نقصه، ما بيصل لكماله.
فدي برضها ماها بطّالة.. يجوز تحصل فيها وسوسة كثيرة، ويكون الإنسان مربوك بها وأكثر من اللزوم.. لكن، برضها بتجي للاعتدال، بعدين بتجي للطمأنينة، والثقة، والشخصية المبنيّة.
ونحن في الداخل خرايب.. الإنسان في الظاهر تشوفوه جميل، وصحته كويسة، لكن في الداخل في خرابة.. نحن داخليًا خربانين، قلوبنا ماها عامرة.
السالك بيتفتّح بالصورة دي.. زي اللي بيشعر بالخراب الداخلي، وبيبتدي يبني حتة حتة.. يهدم القديم، ويبني الجديد، أو يرقّع أو يصلّح أو يرمّم، لغاية ما يكتمل البنيان.. بعدين، تبقى الشخصية مكتملة.. ويكون الكلام البيقوله عن ثقة، والسلوك اللي بيسلكه عن ثقة، والخطوات اللي بيخطوها عن ثقة.
لكن، إذا كان ما جاء القلق الداخلي، والخوف الداخلي من أننا تصرفاتنا كانت رديئة، ما بكون في تفتح للنقص.
وأصله السلوك شوف النقص..
والنقص هو أنه الإنسان يعتبر نفسه كامل مع أنه ناقص.
وكل واحد منّا، زي ما بنقول من جوه خراب.. ناس كثيرين ماشيين في الخرابة دي، وقايلين أنهم في عمار.. يعمروا في البيوت، ويبْنُوا ثالث سكن، ورابع سكن، وهم من جوه ساكنين في خرايب، أو ساكنين في خيم، أو ساكنين في عِشَش.. وما شاعرين.
السلوك هو تفتح للنقص الداخلي ده.. أنه الإنسان شاعر بأنه كأنه خربان.. بـ ده بيبتدي البناء من الداخل.. وحتة حتة، ولبنة لبنة، تجي الثقة، تجي الطمأنينة، يجي الاستقرار الداخلي.. الإنسان تاني يقول، ويعمل، ويظهر بين الناس بالمظهر المرضي.
دي الإجابة على فائزة.
ـ