وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

هل تغيير واقع الناس معارضة لإرادة الله؟

تعلموا كيف تتعلمون - مدينة المهدية - ١٨ مايو ١٩٧٢

هل تغيير واقع الناس معارضة لإرادة الله؟

بالصورة دي، يبقى الإنسان مطلوب منه أن يغيّر الواقع.. يغيّر للخير.. قاعدته فيه أنك إنت ما ممكن يكون عندك اللذة والألم متساويين، ما ممكن يكون عندك المر والحلو متساويين.. لا يمكن أن يكون عندك الألم واللذة متساويين.
فما دام إنت عندك القانون ده، يبقى سيرك في أن تغير، في معاملة الأشياء ومعاملة الأحياء هي أن تترك الأشياء أحسن مما وجدت في جانب المنفعة، وفي جانب الخير، وفي جانب اللذة، وفي جانب العلم.
فنحن، إذًا، عندما نغيّر الأشياء، نحن سائرين مع إرادة الله، في طرف الخير منها، لأننا نحن بنحب لأنفسنا الخير، وإذن يجب أن نوسّع الخير في الوجود، وأن نُعامل الناس بالخير.. فالتغيير دا، هو في الحقيقة، هو اللي بيجريه الله في الوجود عن طريقنا نحن. وده معنى إننا نحن خلفاء.
ربنا خلق بالعناصر، وخلق بالإنسان.. خلقة ربنا عن طريق الإنسان أحسن من خلقته عن طريق العناصر، لأنه الإنسان ربنا ركّب فيه مسألة اللذة والألم، اللي نحن من قبيلك بنقولها.. باللذة يتصفّى الأمر من الشر إلى الخير.
بحاسة اللذة فينا نحن يخرج الشر من الإرادة ويبقى الخير هو الأصل، لغاية ما نسير في المراقي اللي قلنا فيها من "النفس الأمّارة" لغاية "النفس المرضيّة".. عندما نصل نحن لمرتبة "النفس المرضيّة"، الخير يكون هو الأصل، والشر ينتهي أو يكاد.
ومعنى النفس المرضيّة أننا نحن نجاهد في أن نسير خلف الله حتى نُرضيه، فيُرضينا.. (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ).. نسير في مجاهدة أن نكون راضين به حتى يرضانا فيرضينا.. "إن سلمت لما أريد" قال، "كُفيتُك ما تريد.".
هنا موضوعنا ده هو البيحتاج للعلم، والعلم الدقيق باستمرار.. كأنك إنت كلما كنت في مرحلة من اللذة، لذّتك دي ناقصة، في لذّة أعلى منها تُدركها بالعلم.
العلم الدقيق اللي يصفّي ما في إدراكك للأشياء من تشويش، من جهل، من خلط، من شرك.. دي بنسميها.. من شرك.. والشرك هنا معناه أن يكون حوافز فعلك فيها مشاركة لى الله بعوامل ثانية: حظ نفسك، أو سمعتك، أو كلام الناس البيقولوه، والاعتبارات دي.
فتمشي باستمرار إذن في تنقية العلم والعمل وفق العلم.. وكلما كان علمك دقيق، كلما كان تطبيقك للعمل مُجوَّد أكثر. وفي قمة عملك، حياتك.
كلما كان علمك جيّد وواسع، كلما كانت حياتك واسعة وعريضة.. لأنك كلما علمت، كلما تحررت من الخوف، اللي هو ما ينقص حياتنا.. كلما علمت ما يكون في المستقبل، كلما علمت المراد من الفعل البيقع عليك، كلما نفسك بقت أرضى وأكثر طمأنينة، والخوف بعد منك.
فالجانب ده إذن نحن بنعمل فيه بإتقان.. دي الناحية النحن قبيلك عايزينها تكون مؤكدة، أنه التزامنا لجانب مرضاة الله ماها منسجمة مع القول بأننا نحن منسجمين مع إرادة الله.. نحن بنتجافى عن جانب الشر في إرادة الله، لنلزم جانب الخير في إرادة الله.
آه دا مقاسه أنك تعلم الخير، وأن تعمل الخير بإتقان. بعدين علمك ده، لأنه ناقص، قد يدركك الشر في الفعل، لأنه أصل تنفيذك لأي عمل تقوم بيهو للناس أو لنفسك، عبادة أو معاملة، تنفيذك ده بيجي ضبطه قدر علمك.. أنت مهما تعلم، في جهل في علمك.
فإذن نعمل الواجب المباشر بإتقان، ثم يدركنا الفشل في النتيجة اللي بترضي أنفسنا.. النتيجة البتجي وما ترضي أنفسنا، هي في الحقيقة في جانب مرضاة الله، لأنه عنده حكمة فيها.. فنحن اللي نحقق مرضاة الله دي، نرضى بالنتيجة.

وعبد اللطيف قال لنا مقاس دائمًا، قبل ثلاثة ليالي، دائمًا الصوفية بتكون عينهم مفتوحة ليهو.. أنه إذا كان أنت عملت الواجب بإتقان، ثم جات النتيجة بخلاف ما ترضى أنت، إذا كانت المسألة دي نقصها في أمر دنياك، وجب عليك أن ترضى.. لكن إذا نقصها في جانب دينك، في نظر، النظر يقرب إلى أن يكون سخط، لكن السخط على نفسك.. تعرف إنه الشر ده من جانب نفسك.
يعني حاولت أن تتجنب أن تتورط في خطيئة، حاولت أن تتجنب أن تسكر مثلًا، واجتهدت في الموضوع ده، لكن وجدت نفسك أخطأت و سكرت.. ده مش معناها أنك ترضى بالوضع ده، لأنه ده تقصير في جانب الله.. آه، هنا، ما يجي من السخط ما يجب أن يكون على الله، يكون على نفسك أنت.. السخط الكافي ليستخرج منك الندم، والإصرار على عدم العودة.
لكن إذا كان عملت الواجب المباشر بإتقان، في أن يكون عندك موسم كويس في الزراعة، الموسم ده، بعد إتقانك أنت للواجب، ما جاء.. ده نقص في دنياك، يجب أن ترضى بيه، وأن تحاول محاولة من جديد.. ولا تسخط على نفسك، ولا تسخط على الله.
إذا كان النقص في جانب دينك، أو في جانب، جانب معاملة الآخرين، يجب ألا ترضى بيه.. لكن يجب ألا تسخط على الله، وأن تسخط على نفسك، اللي هو، في الحقيقة، طرف من السخط على الله، لكن ده مطلوب، لأنك أنت بترى إنه النقص من نفسك.. والسخط في المستوى ده، هو اللي بيستخرج منك أنت الندم الضروري للتوبة.. لأنه التوبة من أركانها: الندم على ما فات، والإصرار على عدم العودة، وتجريد العزم على المضي في المستقبل، في اتجاه الإقلاع.
إذا كان أنت ما تسخط في الجانب ده، يبقى عملك بيكون ما هو صحيح.. إذا كان سخطت على الله، يبقى عملك خطأ.. لكن ترى الشر من نفسك، وترتقب من الله أن يعينك.. السخط ده هو اللي يعينك على الندم، والندم ركن مهم من أركان التوبة لتقلع.
إذن الواجب المباشر بإتقان، بعدين ما تجي به النتيجة بعد داك، يجب الرضا بيهو، على التمييز النحن قلناه.. يجي ده يجعل موضوعنا في التزام مرضاة الله، موضوع إيجابي، ما في سلبية فيه بالمرة.. وأنت بتعمل الواجب بإتقان، ليه؟ عشان ما يجي ندم يقول لك: لو عملت كده، كانت النتيجة كده.. أول ما يجي "لو" دي، أنت انحجبت من الله، و"لو" من عمل الشيطان، ومن قول الشيطان.
لكن إذا أنت أتقنت الواجب، يبقى النفس ما عندها حديث ثاني لتقول "لو".. ما في وسوسة من النوع ده، لأنك أنت عارف عملت الواجب ده كله.. يبقى النتيجة جات من جانب الله، بفشلك في العمل ده، إذا كان الفشل ده ما بيضر بآخرين، ولا هو تقصير في حق الله، اللي هو تقصير في حق دنياك، وجب عليك أن ترضى بيه.. لأنه الله يسوسك أنت بالفقر، ويسوسك بالمال.. يسوسك بالغنى، ويسوسك بالفقر.. وهو يضع الأشياء في موضعها.. لعله الغنى، لو كان موسمك جاء كويس، لعله يكون شر ليك.. وكونه جاك موسم ما هو كويس، ورزقك في الموسم ده، بقى ضيق، ده زي الدواء اللي ربنا بيسقيك ياهو، لحكمة فيه، بيصلحك بالفقر، ويصلح قلبك.. لأنه الحكمة عند الله، في الصلاح هي صلاح القلوب، مش صلاح الأجساد، بالحياة الرفيعة، والملاذ اللي بنلقاها في لباسنا، وفي أكلنا، وفي سكننا.
ـ
(٣)
الجانب ده، هم الصوفية مفتوحة عينهم ليهو، ليه؟ لأنه الإنسان قد يكون ما بيهتم بجانب الآخرة.. تشوفها: أنك أنت عملت بإتقان، لكن جانب الآخرة قصّر، تقول: الله كريم، أو تتكل، وما تهتم، وما تندم.. لكن في جانب الرزق، ما بترضى.. أنت ترضى بى الله في جانب الآخرة، لكن ما ترضى بيهو في جانب الدنيا.. ودي حاجة مشاعة، وظاهرة جدًا.. وده عندهم، أنه فيه دسيسة، أنه الإيمان بالدنيا أكبر من الإيمان بالآخرة.
حقيقة، نحن ما راضيين بي الله، لما ما نرضى بيهو في أمر الدنيا. لكن نرضى بالـ، بـ، بتقصيرنا في الآخرة، نرضى عنه. وتقصيرنا في تحصيل الدنيا، ما نرضى عنه.. ده ما رضي بي الله.. ده قلة يقين بالآخرة، ويقين بالدنيا.
عشان كده، هم مقاساتهم دائمًا بالصورة دي: في أنك أنت توكد معنى أن ترضى بالله في دنياك، في التقصير في أمر دنياك، ولا ترضى بيهو، شفت؟ ولا ترضى بيهو في التقصير في أمر دينك.. لكن تحول السخط على نفسك، مش تسخط عليهو هو.. ده معنى ما ترضى بيهو هنا.
يجوز الصورة دي تسوقنا إلى أنك أنت، لمان تعمل بالشريعة، أو المرتبة اللي قبيلك اتكلم عنها ميرغني في مسألة مسيرين أو مخيرين، بتجي في ما بعد.
لكن دائمًا، أنت بتعلم لتعمل.. إذا كان عمل الإنسان بدون علم، العمل ده باطل.. نحن، إذا كان عبدنا، بدون ما نعلم من الشريعة، ما تستقيم بيهو العبادة.. العبادة بتبقى باطل. إذا علمنا وما عملنا، علمنا باطل برضو.. ولذلك، نحن بنقول دائمًا: علم وعمل بمقتضى العلم.
آه، دي البداية: أن تعلم الحرام والحلال، وأن تعلم، مثلًا، كيف تتوضأ، وكيف تصلي، وكيف تصوم.. تعمل.. علم، وعمل، بمقتضى العلم.. إن عملت بى دا، بتمشي في المراقي في العلم باستمرار..
القاعدة فيه "واتقوا الله ويعلمكم الله" و "من عمل بما علم، أورثه الله علمًا ما لم يعلم."
بتخرج أنت إلى علم الحكمة، اللي قبيلك قلتها.. ده الظاهر، الشريعة الظاهر، وراهو حكمة، في أننا مأمورين بأن نعمل في الشريعة، لأنه الله غني عن عبادتنا.. إذن، في حكمة في الأمر ده.
إذا نحن أطعنا الأمر من الأول، يبقى من القشرة دي، ندخل للبّة، نعرف الحكمة.. "ومن أوتي الحكمة، فقد أوتي خيرًا كثيرًا.".. وجات الحكمة، ثاني، في الخير بالصورة دي: "لو كنت أعلم الغيب، لاستكثرت من الخير.".. "الغيب"، الحكمة برضو، لأنه الظاهر فعل الله.. الغايب عننا، حكمته في فعله.. ولذلك، الغيب هنا برضو، الحكمة.
كل ما أتقنا العمل بما علمنا، نرقى في المراقي، لغاية ما يبقى علم الشريعة يأدينا لعلم الحقيقة، علم الحقيقة يأدينا للحياة.. علم الحقيقة، برضو علم، عشان نعمل بيهو، مش غاية في ذاته.. فعلم الشريعة ما غاية في ذاته.. علم الحقيقة ما غاية في ذاته.. العلم بـى الله ما غاية في ذاته، لكن وسيلتنا للحياة.. لأنه كل ما نعلم، كل ما تطمئن أنفسنا من الخوف.. فإذا علمنا أنه الله خير مطلق، ما بنخاف من الله.. بنحبه، وبنأنس بيهو، وبنلتصق بيهو، وبنرضى بيهو.
يمكن السؤال الفرعي، وجد في المسح اللي أوجزناه نحن هسه.. المسح اللي كان مار من ليالي، وهسه شُفنا صورة منه، ولخصناه في الكلمات اللي قيلت، يجوز، وجد صورة من الإجابة تكفي.
ـ