نحن قلنا أنه كل فضائل المعرفة تنعكس في الرسالة.. والمثل ده ضربناه بأنه نحن نعد المدرّس في المراحل الكبيرة، نعدّه في الجامعة، ونعدّه في معهد المعلّمين العالي، اللي هو دراسة جامعية أربعة سنين بعد الثانوي العالي، ثم نجيبه ليُدرّس في المدرسة الثانوية.
ونقول عنه لا يمكن أن يكون المدرس الناجح هو اللي بيُلقي كل دروسه للطالب، وإلا بيكون مدرّس فاشل.
فكأنما نبينا أعدّ في المراحل الكبرى: النبوة والولاية، ثم أصبح مقتدر على أن يُدرّج الناس تدريج فيه من الحكمة والرشاد، ما لم يكون فيه مشقة على الناس.
لم يمتحنّا بما تعيا العقول به - زي ما قال قبيلك طلب عن البصيري:
"لم يمتحنّا بما تعيا العقول به، حرصًا علينا، فلم نرتب ولم نهم"
الدقّة دي تدل على عظمة كبيرة جدًا.
ولذلك، إذا وزنت حديث في مستوى الرسالة، وفي مستوى النبوة، وفي مستوى الولاية، ثم جئت لتزن بالقرآن يخاطبه في الدرجات دي، بتعرف حديثه برضه.
وكلما عرفته، كلما وجدت إنك بتحبّه من حيث لم تعمل أنت على المحبة، لأن معرفة الخير أصلها مودعةٌ في قلوبنا وفي عقولنا.. ومجرّد من نعرف الخير بنحب الخير.
ما في إنسان بيعمل الشر وهو بيعرف الخير. الإنسان خيّر بطبيعته، والشر طارئ عليه.. ومن علم الخير يعمل الخير.. من عمل الحق، يعمل الحق ويتحرر بالحق..
وإنما انحرافنا عن الحق، وعن الخير، جهل.
فإذا كان نحن نظرنا فيهو بدقة بالصورة دي، نجد أنفسنا أننا بنحبه.. ولذلك ما في حيلة للحضور معه أكثر من معرفته.
اعرفه بس، بتجد نفسك حاضر معه، ومشغول بيهو، وبتحبّه.
ودا ما من أجله نحن أنفقنا وقت في تبويب مستوياته.
والأمر في العمل ده بين تقديس ومعرفة.. ما دون التقديس والمعرفة إلا الاستهتار والجهل.
وأول ما يجب أن يبتديء به الإنسان هو التقديس.. ولذلك فرض علينا أن نصلي عليه: "إن الله وملائكته يصلّون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلّموا تسليما"
سلموا تسليما يعني: انقادوا (...) ده مش الإسلام اللي الله.. التسليم للنبي.. الانقياد له، والثقة به، هو حق ومأمور به.
ودي مرتبة التقديس.. التقديس بديل عن المعرفة.
المعرفة أفضل من التقديس.. المعرفة أفضل من التقديس.. لكن إذا قصّرنا عن المعرفة، ما يجب أن نقصّر عن التقديس.
نحن بنعرف أنه الأمّة المؤمنة كانت في مرحلة التقديس.
ولذلك، في أحاديثهم، العبارة، يعني قالوا: "ما كنا نظن الأنبياء تقصُر عن شيء"
وزي ما قلت ليكم، لمان قال: "اللهم يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك"
السيدة عائشة قالته له: "حتى أنت؟"
قال: "نعم، حتى أنا، فإن قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، يقلبه كيف شاء"
دي مرحلة تقديس.. ونحن يجب أن نبتدي بها.
الما بيقدّس ولا بيعرف، ما بيدخل في الملة دي..
مرحلة التقديس مع مرحلة الكمال.. لكن مرحلة البداية بتكون بديل عن المعرفة.. والمطلوب أن نسير لنعرفه.
ومن أجله دا، جاء كلام في تفصيل نبوّته، وولايته، ورسالته، وأنه هو كنبي في مستوى، وهو كرسول في مستوى، وهو كولي في مستوى.
ومعرفة حقيقة الذات المحمدية، ومعرفة محمد في مكة.. معرفة ما يوسّلنا ليه، وما يوصّلنا ليهو، وما هو خليق بأن يسيّرنا ليهو.
كل المسائل دي لما نعرفها، بتجد أنك بتحبّه.
كمان دي ذاتها ما بتعرفها إلا إذا (...) في العمل الأولاني.. العمل بالشريعة مدخل.
كأنما المعرفة وسيلتها العمل.. ما في نحت فكري في الموضوع ده بالمرة.. المعرفة وسيلتها العمل.
الحاجة الوحيدة الممكن تعرفها قبل ما تعمل هي الشريعة.
لا يمكن أن تعمل إلا إذا أخذت بالتقليد وبالهيئة عن النبي: كيف كان بيتوضأ؟ وكيف كان بيصلي.. دي بتعرفها قبل ما تعمل، لأنها شرط لصحة العمل.
لكن بعد داك، ما بتعرف الله إلا إذا عملت.. "واتقوا الله ويعلّمكم الله"
وربنا يقول: "من عمل بما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم"
كل ما تعمل أنت، متوخّي السير لقدّام، الله بيعلمك.
والله يعلمك حقائق نبيه، وحقائق ذاته.
هو دا السير.
ـ