هناك في سؤال بيقدمنا في موضوعنا؟
أنا أفتكر هي واضحة.. كونه المجتمع سابق للعقل دي أصلها ما عايزة كلام.. العقل الواعي بالمعنى الإنساني يعني، كونه المجتمع سابق ليهو ده ما أفتكر عايزة كلام، لأنها واضحة جدًا.
بعدين يمكن الصورة تنوضع بالصورة دي تكون أوضح في أذهان الناس: الحاجة للمجتمع أملت على الإنسان حيلة، هي أن يتسامح مع الناس الزيُّو عشان يقدر يعيش، ممكن نقول كده؟
الحاجة للمجتمع.. المجتمع في منطقة الحيوان موجود، والحيوان محتاج ليهو، غريزة القطيع موجودة في الحيوان.. هسّع البهايم بتسرح بهنا.. لو لقيت بقرة انعزلت من المراح بتشوفها بتتولّه كيف؟ وبتجري كيف؟ وبتكورك كيف؟
أها دا ما فكر.. دي غريزة القطيع، البيشعرها بأنها في مأمن لمان تكون وسط القطيع.. الغريزة دي المشتركة بين الإنسان والحيوان، لمّان الإنسان مشى لقدام، وذكاؤه، وهو أصله الطليعة - زي ما قال عنه عماد - يعني كأنما هو بيجمع فعلًا فضائل الأحياء كلها، لأنه هو رأس السهم، بصورة عضوية، وصورة غير عضوية.. الإنسان وارث لفضائل الحيوانية دي.
بعدين، زي ما حصل امبارح، أظن عبد الرحيم الريح قال: لو كان نحن ماشيين بطريق الفيل، يعني عضلاتنا قوية بالصورة اللي تحل مشاكلنا كلها، عقولنا ما كانت برزت.. ولو كان نحن ضعاف خالص خالص، حتى ما بنقدر ننهض لأي مناجزة، عقولنا ما كانت برزت.
ولذلك نحن برزخ، موزونين كده.. في قوة كافية عشان ما تنفّذ عمل معين، لكن ما بتحل مشاكلنا وتغنينا عن الحيلة.
وحتى الأداة - اللي راح يكلمنا عنها أستاذ عبد الله بعد شوية - إنما جاءت لنمدّ بيها طريقنا.. لو كان عندنا مخالب وأنياب زي الأسد، يمكن ما كنا استعملنا الأداة.. يعني السلاح الحجري كان ضروري عشان نقابل بيهو حيوان عنده مخالب نحن ما عندنا، وعنده أنياب نحن ما عندنا.. فقمنا اتخذنا الأداة، كان من العود وسنيناه كده، ولّا نجرناه، ولّا من الحجر، لغاية ما جينا للحديد وركبنا السنان بتاعنا.. هي مقابلة للأنياب والمخالب.. دي نسميها الحيلة.. الحيلة هدتنا لي دي.
هل في حاجة للإنسان في أن يعيش في مجتمع، هذه الحاجة، اضطرته لاستنباط حيلة تخلي مجتمعه ينمو؟ ممكن الزول يقول كده؟
الحاجة للعيش في المجتمع حاجة يشعر بيها الحيوان، وإذًا من هنا شعر بيها الإنسان في مرحلته اللي هو ماشي فيها لقدام.. لكنه لمان الناس عندهم - أو الحيوان المنّه ظهر الإنسان - عندهم ذكاء أكثر من غيرهم، أصبحوا إن ما تسامحوا مع بعض، وإن ما جاملوا بعض بيتفرتقوا.. وفي حاجة لأن يبقوا مع بعض.
فهل نستطيع أن نقول: الحاجة للمعيشة في المجتمع هدت الإنسان إلى حيلة هي المعايشة مع أصحابه في المجتمع، عشان المجتمع ده ما يتفرتق؟ ممكن نقول الكلام ده؟
أهو.. لا ما تقول المجتمع هو الأنشأ.. قول الحاجة للمجتمع عند مخلوق أذكى من غيره.. في مخلوقات بتجتمع وتتفرتق، لكن الفضائل اللي اجتمعت في طليعة المخلوقات دي - اللي هو الإنسان - والضعف، الحاجة للمجتمع، هدته إلى حيلة هي أنه المجتمع يظل - يظل متماسك.
إذا كان المجتمع لازم يظل متماسك، معناه أني أنا أراعي شعورك، وأنت تراعي شعوري.. لأننا ما أصبحنا زي الحيوانات ديك.. في شي شوية زايد في الذكاء.
فهل بالصورة دي ما واضح أنه الحاجة للبقاء في المجتمع هدى الإنسان لحيلة هي أن يكبت؟ ولا عايزة لسّع (توضيح)؟
... البقاء في المجتمع، مش عند الحيوان فيه؟
هل الإنسان - اللي هو أذكى من الحيوان، عايز يمشي لقدام باستمرار - بيشوف أنه مجتمعه كل مرة بيتفرتق.. كل ما الأبناء بلغوا سن الرجولة ينطردوا ويتفرقوا وما يعيشوا مع الآباء؟
بعدين الحاجة لأن يظلوا الناس متماسكين لبعض ومجتمعهم متوسّع، هدت الرشداء منهم، اللي قبيلك سميناهم رسل، مثلًا الحكماء من البشر، لعامة البشر.
هل يمكن أن نقول أنه الحاجة لبقاء الأسر دي مع بعض، هدت الحكماء أو طلائع العنصر البشري لأن تفكر في شي، في حيلة، تخلي الناس يتعايشوا؟ ولّا ما ممكن نقول كده؟
البيئة الصمّاء البتعيش فيها أنت..
مثلًا: إذا كنا أنا مثلًا بمشي أصيد براي، الأسد بمشي يصيد براه، شايف؟ اللبؤة قد تكون معاه وقد تسرح براها، لكن عنده اقتدار على أن يلحق فريسته، وعنده اقتدار على أن يضربها ويرميها.
لكن أنا، لمّان أصيد براي وأجي دائمًا قمحان.. وبعدين نمشي أنا وأنت والثالث والرابع، نحوش الحيوان، لمّان يجري بهنا، يلقاك أنت، لمان يجري بهنا، يلقى ده، لمان يجري بهنا، بعدين نقبضه، وننقسمه.. هل الحيلة الزي دي ما بيحتاج ليها الإنسان إذا قوبل بالأسد؟
وهل هي، لما ينفذها بالصورة دي، ما بتخليه مرتبط بإخوانه ديل، دائمًا عايز يقنص معاهم؟
ولمان يقنص معاهم، مش معناه أنه حتى لو كان هو الضرب الحيوان أول شي وقتله، مش معنى الكلام ده أنه يأخذه كله ولا يأخذ نصّه؟ إذا كانوا خمسة يأخذ خمسه، إذا كانوا عشرة يأخذ عشره.. هل الكلام ده ما عملي ومعقول؟ ولا شنو؟ أهي دي البيئة.
ونحن أصلنا بنعيش في مجتمع لنحارب أعداء هم البيئة، لننتصر على أعداء هم البيئة، حتى لنكسب من أصدقاء هم البيئة برضو.. البيئة ما دائمًا عداوة، لكن أهي دي الصورة.. البيئة ألجأتنا، من العوامل الفيها من الجوع، ومن البرد، ومن العطش، ومن الأعداء البشريين، ومن الأعداء غير البشريين، أن نعيش مع بعض، لنحمي بعض، وأن نعمل مع بعض لنوفّر القوت لبعض.. لغاية ما جاء تقسيم العمل والوظائف.. ده متأخر كثير.. لكن في البدايات أهو كان كده.
الأسد بيصيد براه وعنده اقتدار على حيوانه، لكن نحن، أنا وأنت، بنمشي مرات ونجي قمحانين.. لمان نمش مع بعض، بنحوش حيوان، وبنقدر نضربه، بننقسمه.
بكرة، ما بمشي أنا براي وأجي قمحان.. بنمشي مع بعض.. نمشي مع بعض معناها أن يكون في مجاملة لبعض وعدالة مع بعض.
ما يمكنك أنت، نحن نصيد، العشرة، الحيوان وإنت تقول: أنا باخد نصه، وإنتو التسعة أخدوا النص التاني.. ولّا بكون؟ أهي دي القصة بسيطة جدًا هي.
من هنا جاءت المجاملة، اللي معناها: أنا أكبت رغائبي الخاصة بي.. يجوز أنت تفتكر أنه الحيوان ده قتلته أنت، ما حقّو الناس التانيين يشيلوا معاك، ولّا واحد جاء ساكت بسلاح ما بيقتل أي حاجة، ليه يشيل؟ ولا واحد ضعيف وأنت قوي.
دي أملت حكمة الحكماء، إذا كان إنت قلت: "أنا باخذ العشرة ديل، باخد النص، وأنتو التسعة تاخدوا النص التاني"، يجوا الناس راجعين لشيوخ الأسر، يقولوا لك: "لا، الكلام ده ما بليق.. أنت وأخوانك تنقسموا.. أنت تأخذ العُشر، زي ما أي واحد منهم ياخذ العُشر".
أها ده اللي بيخليك إنت تراجع نفسك ورغبتك تكون مقيدة بالآخرين، وده العقل الواعي، ظهر هنا.. إذا كان جاء من عندك، من حكمتك، كويس، لأنك إنت شاعر بذكاء معين، وأنك لو جيت للناس، بيلومّوك.. لأنه خطأ أن تقول كده.. إن ما شعرت بيهو أنت لغاية ما جيت، الناس تاني بيضربوا على يدك، ما بقولوا لك: "أنت تاخد النص.. لا.. أنت غلطان".. وإن قلت: "أنا ضروري آخذه"، يقوموا الناس الآخرين ضدك.. يعني يجعلوك تكبت، إن ما كبتّ براك.. يعني يجعلوك ذكي، بتقدّر الناس الآخرين، وبتفكّر، وبتسيطر على نفسك.
أفتكر القضية ما ها صعبة بالصورة اللي صُورت بيهو.. كدي نسمع زيادة في الموضوع ده..
هل في اعتراض عليه؟ وأنه الصورة دي هي الأبرزت العقل الواعي؟
... البشر مقدرته على التجربة، أكثر من الحيوانات، أنه الإنسان يسيطر على غرائزه.. سميها الحاجة للمجتمع.
الحاجة للمجتمع أملت على الإنسان الحيلة اللي بيها يستنبط عادات معينة، وأوضاع معينة، وعُرف معيّن، المجتمع يظل بيهو قائم.. العُرف المعين ده هي أنك تسيطر على نزواتك وغرائزك، عشان أنا برضه أسيطر، لنتعايش مع بعض.
المجتمع عند الحيوان فيه، زي ما قلنا قبيل، حاجة أمن من الخوف.. أنت لمان تكون في وسط القطيع ده، بتشعر بأمن، ما بطريقة تفكيرية.. هسّع، يعني، الناس لو ماشيين في الظلام، زي ما قلنا قبل كده، لو ماشي واحد مش زي لو ماشيين اثنين.. تلقائيًا، وبطريقة ما بتفكر فيها، أنت بتشعر بأنك إنت في أمن مع الناس.
الحكاية دي مش بتاعة الإنسان بس، بتاعة الحيوان برضه.. الحيوان بيشعر بأمن لمان يكون في القطيع، وبيتولّه بصورة ظاهرة لمان يكون منفرد.
... والمجتمع، باستمرار، أول ما مثلًا أطفاله يبلغوا حد الرجولة يتفرقوا.. وبعدين، بالتفرق ده ذاته، الأب الكبير يشعر بضيم، ويشعر بضرر، وأنه منعزل، ويغيروا عليه الأعداء، وتحصل النكبات عليه.. وبعدين تجاربه اللي بيختزنها دي ورّتو أنه لمان يكونوا أولاده فيه، الحيوانات بيتهابه، والبشر الآخرين بيهابوه.. وأنه يشوف طريقة يخلي أولاده يكونوا معاه وما يتفرقوا.
هل الكلام ده كلمات؟ ولا تجربة الواحد بيتصورها؟
بعدين، تشوف أنك إنت مثلًا.. هسّع المجتمع بيكون فيهو حكاية زي دي.. تقوم إنت تكون حاد جدًا، أولادك ما يحتملوك، يفوتوا منك.. بعدين يجيك واحد يقول لك: "والله يا فلان، الأولاد في الوقت الحاضر ده ما بيعاملوهم بالصورة دي، بيفوتوا طوالي، أنت حقك تكون شوية يعني أخلاقك واسعة معاهم".
ده ما بيحصل اليوم ده؟
بعدين، أنت تجاملهم، وتقول لهم: "والله أنا ما عندي غيركم، وأنا الكلام اللي أنا بقوله بس عايز صلاحكم"، مثلًا.. بعدين، تليّن جانبك لهم، ليقعدوا معاك.
ده هسّع، ما حكاية عملية اليوم ده فيه؟
أها دي كانت في أوائل المجتمع.. بالتجربة الطويلة، المجتمع وجد نفسه أنه محتاج لبعض.
وأنك إنت إذا كان محتاج للآخرين، جاملهم بعض الشي، وإلا راح يفوتوك، يمشوا منك.
المرحلة دي، الذكاء اللي عند الإنسان، زيادة على العند الحيوان، وطبيعة تكوين الإنسان في أنه ما هو قول ليستغني بعضلاته دائمًا، ولا هو ضعيف ليكون خاير، وعقله ما متطور، هداه لحيل، منها دي، أنها يجامل الآخرين لقدام.. المجتمع بقى من الأسرة الواحدة اللي أولاده يكونوا حوله، وأولاد أولاده حوله، بقت كمان الأسر مع بعض.
أنا ما بتصور أبدًا صعوبة في الموضوع ده، بل الحقيقة واضح حتى بيتكلم عن نفسه، لأنه نماذجه موجودة عندنا اليوم.
هسّع هنا المجتمع، البادية، برضك أنت بتمش، إذا كان الأبيات الكثيرة سكنت مع بعض، تقوم تتنازع في المرعى، لأنه المرعى البينزلوا فيهو قد لا يكفي حيواناتهم، يقوموا يتفرقوا هناك وهناك وهناك.. بعدين يشعروا بأنه بيغيروا عليهم قبائل تانية.. أنت قاعد في بيتك براك في الخلاء، بيغيروا عليك قبائل تانية، تقوموا تلموا بيوتكم جنب بعض، وتسرحوا بحيواناتكم في جهات مختلفة، يسرحوا بيها الأولاد، والبيوت تكون مجموعة مع بعض.. بعدين يمشوا ويجوا يأووا حولكم في الليل، وتوقدوا نيرانكم.. أهي دي، دي ما صور.
يعني الحاجة لأن يظل المجتمع، ما ها مسألة تفكير، مسألة موروثة من الحيوان.. كل ما هناك أن نحن أذكى من الحيوان، ولذلك بنطور في وجودنا.. مش الحيوان دائمًا يفرق مجتمعه، دائمًا يفرق مجتمعه، ويبقى بصورة واحدة.. نحن بنمشي لقدام، ونشوف دائمًا نسد الثغرات، والخطأ في تصرفنا، البيجر علينا شي من الضرر.
التفكير في البتاعة دي، في الأول كان الحيلة البدائية هي مجاملة البعض.. مجاملة البعض دي هي صورة الكبت، لأنك أنت الحاجة العايز تقولها ما لازم تقولها، الحاجة العايز تعملها ما لازم تعملها، لأنك لو عملتها، بتُقابل بعداء من الجانب التاني.
الصعوبة في ده شنو الواحد يتصور؟!
ـ