ده أول بيان، وده ما سُمي بالسِّفر الأولاني، وهو معروف طبعا عندنا أنه ديدن الفكر الجمهوري دائمًا الكلام عن (لا إله إلا الله).. بعدين جاءت الثورة الفكرية في سنة ٦٨، ما أعرف إذا كان في عبارات منها وردت قبل كده، لكن سنة ٦٨، سنة ٦٩، كان الكلام عن الثورة الفكرية.. والثورة الثقافية، هسع نحن كتابنا فيها ماشي.
الثورة الفكرية هي المستوى الفردي من التشريع، والثورة الثقافية هي المستوى الجماعي من التشريع.. وهنا كان ورد الكلام في أنه الفرد فكر ونفس.. الفكر الثائر.. الفكر الثائر هو الفكر القوي الشجاع النفّاذ السلمي غير العنيف.. الفكر الثائر ما هو عنيف.
إذا كان التقى الفكر الثائر مع واقع الإنسان يحصل التغيير، وأول واقع الإنسان نفسه.. ولذلك الثورة الثقافية تغيير في الداخل قبل ما يكون في تغيير في الخارج.. ومن أجل الثورة الفكرية لابد من تجويد العبادة على أساس تحقيق (لا إله إلا الله).. لأنه زي ما قولنا (لا إله إلا الله) توحيد، والتوحيد الخط الوسط بين النقيضين.. ولذلك (لا إله إلا الله) نفي وإثبات؛ يعني كأنما الحقيقة لا هي دي، ولا هي دي.. بـ لا، إلّا، (لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّه) كأنما بيقول الحقيقة لا هي دي، ولا هي دي.. لا هي النقيض ده، ولا هو النقيض ده، وإنما نقطة التقاء النقيضين، وده ما سمي بالتوحيد.. حتى عند كارل ماركس في الديالكتيك المشهور عنده.. وده ما سمي عندنا نحن بالصراط المستقيم: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ، غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم،ْ وَلَا الضَّالِّينَ} في الوسط بالصورة دي.
آ هنا ده لإحداث الثورة الفكرية لابد من تحقيق (لا إله إلا الله) بمنهاج العبادة المجودة في تقليد قدوة التقليد، بتقليد النبي.
وهنا لأنه الإنسان لما يوحّد بيرى وحدة الوجود، زي ما قال عنها علي قبيلك، العنف ما بكون له مكانة.. ونحن قلنا أن الثورة الفكرية بتصحّح المعادلة الماركسية لإحداث التغيير.. معادلة ماركس للتغيير تقول: (القوة والعنف هما الوسيلتان الوحيدتان لإحداث أي تغيير في المجتمع).. الفكر الإسلامي يقول القوة ضرورية لكن العنف غير ضروري.. العنف مرحلي.. وأنت لمان تعرف أنك ما تصارعه، هو الله في مظاهر الوجود، أنت بتعرف أنك سيء الأدب، ولذلك يجب أن تتخلى عن الصراع وتمشي للرضا.. ودي وحدة الوجود بصورتها دي.
الأشياء البتظهر لينا كأعداء هي إرادة الله بتظهر لتربيتنا.. وإذًا العنف ما عنده مكانه هنا عند المعرفة، لكنه في أول الطريق عنده.. ولذلك مثلا نحن عندنا الثورة الإسلامية الأولانية كانت عنيفة، بالمعنى اللي حكم الوقت أملاه، لكن الثورة الإسلامية الثانية، البتقوم على الثورة الفكرية، لا يمكن أن يكون فيها عنف.. بل أن الفكر يلغي العنف، ويظل هو القوة.. الفكر هو القوة، والفكر الثائر ما هو عنيف، غاية التسامح، وغاية سعة الأفق.. حتى فيه الناس المختلفين يتفقوا على أن يختلفوا، زي ما بنقول دائمًا.. مش معناه.. الفكر القوي ما بيقول أنه الحق معاي أنا دائمًا، وأنت إذا ما جيت معاي أنا بقتلك.. وده ذاته من ضعف الفكر.
لكن الفكر القوي هو اللي بيشوف أنك أنت تستحق أن تختلف في الرأي، لغاية ما تشوف الحق.. إن بقى أنا ما قدرت وريتك الحق، ده ضعفي أنا وده عجزي أنا، ما حقّو أكون ضدك، أكون ضد نفسي.. ولذلك العنف يسقط طوالي في الثورة الفكرية.
فالثورة الفكرية إحداثها بيقتضي أن يكون في حسن العبادة بالصورة اللي نحن قلناها.. أول الثورة الفكرية ما تظهر تلتقي بواقعك، اللي هو نفسك، تغيرها، وتجيء ثقافتك واستقامة نفسك.. الاستقامة.. الثقافة في الفكر الإسلامي مش محاصيل علمية في العقل، إنما سير في النفس - أخلاق - وده تجسيد (لا إله إلا الله).. {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}.. وده اللي خلى نبينا يقول: (الدين المعاملة)، ويقول: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).. مش معارف، سيرة.. معرفتك تبقى سيرة، تبقى أخلاق.. ودا الدين عبرته بالناحية دي، ودي الثقافة الحقيقية.. الإنسان المثقف هو الإنسان المستقيم، حسن السيرة، قوي الخلق، وكل الشمائل اللي يمكن أن تصفوها في الأخلاق، حتى أخلاق الله (تخلقوا بأخلاق الله إن ربي على صراط مستقيم) هي دي الثقافة.
بعدين أنت بصورتك دي لمّان يكون التقاء فكرك بواقعك، اللي بتعيش فيه من الناس ومن الأشياء
الأخرى، الأحياء والأشياء، تغيرها دائمًا لأحسن، لأنك بتتوخي حكمة الله، وإرادة الله في خلقه.. البيُرضي الله في خلقه شنو؟
أنت الخليفة.. الخليفة لازم ينفذ إرادة المخلّفه - ما يرضي المخلّف - وإلا بتبقى خليفة فاشل..
والخلافة ما بيستحقها الانسان الا اذا سار في درب الله، ونفذ ما يرضي الله في خلقه.. وبذلك يجي التغيير في المجتمع، يجي التغيير في البيئة كلها.. المثقف المسلم، المثقف على المستوى ده، مش بيغير حياة الناس بس، مجتمع اشتراكي ديمقراطي، كل شيء في الوجود يضعه في موضعه، لأنه ما في شيء في الوجود الله خلقه عبث.. والمجتمعات اللي بتكون في ارقى صورها، قايمة على الاحجار التحتها برضه، قايمة على المادة غير العضوية.. ولذلك كل الوجود يمشي في سبيل التغيير والتحسين.. أهو دي الثقافة اللي بيكون عليها الاعتبار.
ـ