وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الاشتراكية

محاضرة الدستور والحقوق الأساسية - الجيلي ١٤ مارس ١٩٦٩

الاشتراكية

تجي للاشتراكية برضو قالوا نحن ما عايزينها.. الاشتراكية بتجي في حقوقنا الأساسية.. هسّه ممكن نقول عليها كلمتين: الاشتراكية برضو نظام قديم، لكن نشأ مع الروس في الثورة الشيوعية.. مش الاشتراكية معناها الماركسية ومعناها الإلحاد.. الاشتراكية عندنا في ديننا، عندنا حقيقة.
لمان تيجي انت مثلًا للقرآن قال: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلِ الْعَفْوَ}.. قول: "أنفقوا العفو"..
العفو: كل ما زاد عن حاجتك الحاضرة. ده تفسير النبي ليها، وعملوا بيها.. ما بدّخر رزق اليوم لبُكرة.
الحكمة شنو؟ الحكمة: أنه إذا كان هو عنده رغيفين، وهو اتعشى بواحد، ما بدّخر الرغيف التاني لبُكرة.. لأنه يجوز يكون الجار المجاور ليهو بايت القوا، جايع للرغيف اللي هو بدّخره..
فإذاً الحاجة اللي بتزيد عن حاجتك الحاضرة، دينًا، وجب أن تُصرفها.. دينًا، مش شرعًا.
آ هنا، ده أصل ديننا.. بعدين الشريعة نزلت للطاقة.. جاء من الأصل ده: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ}.. فبقت آية {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} دي شريعة نبينا، أصلًا ما زكّى في أقل منها، ولا يتزكّى بأقل منها.
الأمة، لضعفها، اتجاوزوا ليها.. يمكن الإنسان أن يدّخر رزق اليوم، ورزق الشهر، ورزق السنة..
المقصود بس يزكّي.. إن اتزكّي بالمقادير المعروفة، يبقى ده ما كنز ولا ادخار، بالمعنى المكروه شرعًا.. لكن دينًا، على حسب المستوى، مطلوب أنه الإنسان ينفق كل ما زاد عن حاجته.. بس، ما بيُكلّف ما لا يُطيق.. الشريعة لمان نزلت من الأصل ده، لأنه النبي بيقدر، والناس ما بيقدروا.
أها الاشتراكية هي النظام الاقتصادي البيكون ليك إنت، ولي أنا، حق.. مش إنت ليك حق، وأنا لي صدقة.. جات الحكاية تاني لكرامة الإنسان.
إذا كان إنت ليك حق، وأنا لي صدقة، أنا ما كريم زيك.. أنا محتاج.. وجاء نبينا بلّغ في المسألة دي، قال: "الصدقة أوساخ الناس، وهي لا تجوز لمحمد، ولا لآل محمد".. التبليغ الجيد جدًا في النقطة دي: التنفير منها، والإشارة بأنها لا تجوز لمحمد، ولا لآل محمد.
ونحن نعرف أن نبينا ما عايز يكون هو وآله طبقة فوق الناس.. شمائله كلها أنه عايز يكون زي الناس، عايز يكون مع الناس.. قال: "إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد".
فهنا، من التربية دي، ما ممكن يكون غرضه أنه هو وآله ما بياكلوا الزكاة، ونحن نستمر ناكلها..
لكن قال: في وقت الضرورة ده، شُرعت.. يوم يجي الوقت اللي يمكنك أن تعف عنها، وجب أن تعف.
والحقيقة، التنفير منها كمان في مستوى البلاغة النبوية: "أوساخ الناس".. زي ما مثلًا واحد يجيب طش، ويجيب جردل، ويجلس في الطش، ويغتسل.. الموية اللي بتنزل منه في الطش، لا يمكن أن تطيب نفسه بأن يشربها.. خلي عنك أن يشربها زول غيره.
راح تلقى أنو الاشتراكية لمان بتقول على أنه إنت يكون ليك حق، وأنا يكون ليّ حق، الفقير له حق، دي مجال لكرامة الإنسان.
والحقيقة أنه الحاجة هي أمّ الرذائل كلها.. أنا مثلًا فقير، وأنت غني، أنا بنتظر الصدقة بتاعتك..
أنا، في الداخل، فعلًا في حقد عليك، مني.. في ضغينة.. برضو في حاجات تضطرني أن أتزلف ليك، وأتذلل، وأنافق.. كل صور السلوك السيّئة، السبب فيه: الحاجة.
لكن الحاجة، المجتمع بيمشي ليك فيها كل وقت.. ما من الأول ممكنة.. لمان جات شريعتنا، العرب ما كانوا بيعرفوا الزكاة، كليةً.. أنت غني، مالك بتاعك، تدي أو ما تدي، دي حاجة تخصك.. ما في حكومة، ولا قوانين.
لمان جاء الإسلام، وفرض عليهم حاجة سماها "حق الله"، تؤخذ من الغني، وتُرد على الفقير..
وهي العُشر مثلًا، أو ربع العُشر، أو نصف العُشر، حسب الأعيان المعروفة.. بقت دي ذاتها مشقّة على الناس، لتعرفوا أنو الحاجة كانت الأصل في المجتمعات.
لكن في استمرار، المجتمع كله مشى لقدّام، بتكافل.. الفقير يأخدوه الناس معاهم.
شوف حديث نبينا في الموضوع ده: قال: "كان الأشعريون إذا أملقوا، وعندهم ثوب، وعندهم زاد، فرشوا ثوبًا، فوضعوا عليه ما عندهم من زاد، فاقتسموه بالسّويّة.. أولئك قوم أنا منهم، وهم منّي".
وقال في حديث تاني، رواه - أظن - حذيفة بن اليمان، قال: "كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقال: من كان له فضل ماء، فليعد به على من لا ماء له.. ومن كان له فضل ظهر (بعير يعني، يردفه أو يديه إياه)، فليعد به على من لا ظهر له.. ومن كان له فضل مال، فليعد به على من لا مال له.. ومن كان له فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له".
قال: "فذهب يعدد الفضول، حتى ظننا أن ليس لأحد حق في فضل".
ده روح الدين، لكن ما شُرِع، لأنو الوقت ما جاء.
ودي الاشتراكية.. الاشتراكية أن يكونوا الناس أشراك في خيرات الأرض، وأن يكون للفقير حق.
ـ