وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

اختيار القيادة في العهد الأول

مؤتمر عيد الفطر المبارك ١٣٩٠ هـ - الجلسة الخامسة - ود مدني - ٤ شوال ١٣٩٠

اختيار القيادة في العهد الأول

الصورة أفتكر بتكون طيبة جدًا لو في أذهاننا، بين أدروب والريّح.
أولًا في حياة نبينا ما كان في شك في الزعامة ولا نزاع ولا.. دي طبعًا أمر مقترن بالوحي منتهي.. لكن مجرد من انتقل النبي الأمور تبلبلت.. فزي ما قالوا الجماعة الاثنين.. الاجتماع اللي جرى في سقيفة بني ساعدة قاموا بيهو الأوس والخزرج - الأنصار.. وكانوا بيروا أنهم هم أحق بالأمر ده لأنهم آووا ونصروا.
ولمّان علموا المهاجرين بالصورة دي لحقوهم بسرعة.. كان النبي وقتها مسجّى، ما وُري في التراب.. و زي ما قال أدروب، خطب سيدنا أبو بكر فيهم، ورّى فضيلتهم، وقال لهم: أنتم أول من آوى ونصر، فلا تكونوا أول من غيّر وبدّل.. المهاجرين هم الأمراء.. والمهاجرين من قريش والعرب لا تدين لحي ما تدين لحي قريش، ما بتسمع ليكم إذا كان أنتو وليتوا الأمر ده.. أنتم الوزراء ونحن الأمراء.
وهم كانوا في الوقت ده في نزاعهم قالوا مننا أمير ومنكم أمير.. فكانوا عايزين يتوزعوا الأمر من أوله ويهزموا الفكرة بالخلاف.
عندما قال لهم الأمر ده وضح لهم.. فلمّان الأنصار تنازلوا، بقى الأمر في المهاجرين برضه فيه لبس.. حتى يعني سيدنا أبو بكر قال في الأول لسيدنا عمر: أبسط يدك أبايعك.. كان في قضية، دي يمكن تودينا لأصل التربية والفكرة، لعله كان عمر يقبل البيعة.. لأنه عمر كان واضح وجريء.. جريء.. كان في أيام النبي يقول رأيه في المعارضة، حتى القرآن ينزل بتأييده.. وكان واضح للناس أنه هو ماضي.. وأنه قوي.. وما يقوله عنه النبي: "مَا سَلَكَ عُمَرُ فَجًّا إِلَّا سَلَكَ الشَّيْطَانُ فَجًّا غَيْرَهُ".. و كان من الجائز جدًا أنه يبايع.
لكن كانت في تربية.. التربية دي بتذكروها كلكم وردت كثير في مجالسنا إنه عندما مرض النبي.. وما استطاع أن ينهض ليصلي بالناس.. قال لنسائه: عائشة وحفصة.. قال: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ".
قالت عائشة "إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، فَإِذَا قَامَ مَقَامَكَ فَإِنَّهُ لاَ يَمْلِكُ أَنْ يَبْكِي، فَلْيَأْمُرْوا عُمَرَ".
ثاني قال "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ" فـ عائشة قالت له نفس الأمر، وحفصة أيدت عائشة.. قال لهن: "إنكن صويحبات يوسف، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ".
فكان في زجر ناهي في المسالة دي.. في الوقت ده سمع صوت من المسجد، هو صوت عمر، كأنه مقبل ليؤم الناس.. وكان في المسجد جرى كلام زي ده برضه.. يعني بلال ما كلّم أبو بكر، قال لي عمر: "هل أُقيم الصلاة لتصلي بالناس؟".. قال له: أقمها.
لما نبينا سمع صوت عمر مقبل ليؤم الناس، قال: "أَيْنَ أَبُو بَكْرٍ؟ يَأْبَىٰ هَٰذَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ.. أين أبو بكر؟".. عمر سمع الصوت ده و وارتعب وخاف، فقدم أبو بكر فصلى بالناس.. لمّان حصلت مسألة الخلاف حول أبو بكر.. المسلمون قالوا: "رضيه لديننا أفلا نرضاه لدنيانا؟"..
فكانت دي قاعدة في التربية والتقييم.. رضيه رسول الله لديننا.. أفلا نرضاه لدنيانا؟.. ثم عمر من الزجرة ديك قال "لَأَنْ أُقَدَّمَ فَيُضْرَبَ عُنُقِي خَيْرٌ لِي مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ".
ولذلك لمان قال له أبو بكر: أبسط يدك أبايعك.. قال له: لا والله.. لا يكون هذا أبدًا.. أبسط يدك أنت أبايعك.. وبسط أبو بكر يده، عمر بايعه، وبايعوه الجماعة من بعده..
دي قيمة بتوري أنه التربية نجدت الناس هنا.. التربية ورتنا القيمة في الفرق بين أبو بكر وعمر، في الوقت اللي كانت للإنسان السطحي، يبدو أنّه عمر أفضل من أبو بكر.. للإنسان السطحي.. يبدو أنه عمر أفضل من أبو بكر.. الإنسان اللي مخلي باله للتربية وللقيمة وللفكرة عند منو، عرف.

بعدين التاريخ جاء ليؤيد القضية دي.. لعله لو كان الخليفة عمر مش أبو بكر، كان الإسلام ما بلغ ما بلغ من النصرة، لأنه الإسلام في الردة نُقض.. وبعدين كان موقف عمر إنه ما يقاتلوا الناس.
قال لأبو بكر، وأبو بكر كان بيستشيرهم، قال لأبو بكر: الناس مسلمون.. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.. فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمُوا مِنِّي أَمْوَالَهُمْ وَدِمَاءَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا".. عمر قرأ الحديث ده، وزي ما واعي ليهو..
قال له: أو لم يقل إلا بحقها؟
قال: بلى..
قال له: فإن الزكاة حق المال.. والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة.. والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله، لقاتلتهم عليه حتى يؤدوه.
فعمر قال رأى الصواب في الوقت ذاك.. لو كان أبو بكر هو الوزير وعمر هو الخليفة، نصيحة أبو بكر قد لا تقع موقعها.. وقد يمضي عمر ويسيب الردة في شانها، لأنه الرسول قال المسلمون ما يُقاتلوهم.. وهم ديل بيشهدوا ألّا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.. فظهرت دقة الفكرة كيف عصمت المذهب كله لأن يستقيم.
الاختيار ده دل على أنه أبو بكر هو فعلًا خليفة النبي، أقام الدين بعد ما تقوّض الدين.
لمّان المسألة نزلت عن مستوى أبو بكر وعمر، زي ما قال هنا الريح، حتى عمر لُبّست عليه المسائل.. أبو بكر كان واضح في ذهنه عمر، لأن فضيلة عمر ظاهرة.. عمر كان ثالث ثلاثة ونبينا كان يقول "كنت أنا وأبو بكر وعمر"، "كنت أنا وأبو بكر وعمر" دي كثيرة.
والمسألة طبعًا في ذهن أبو بكر واضحة أنه عمر ما عايز، ما في منافسة ولا في [شكوك].. فقال للناس، هو على سرير الموت، قال لهم: "أنا اخترت لكم عمر.. و إن أحسن فده ظني وعلمي به، وإن غيّر وبدّل فلا علم لي بالغيب.. لكن اخترته لكم ولم آلكم جهدًا في الاختيار".. ما اختلفوا عليه.. أخذوه.
لمّان جاء عمر ليخلّف هو ذاته لبّس عليه، وما شاف يعمل منو، قال: لو كان في الناس أبو عبيدة بن الجراح لخلفته.. ولو سألني الله عمن خلفت على أمة محمد لقلت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "أبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة" وأنا خلفته عليه، ولكن أبو عبيدة كان متوفي.. فهو اختار ستة.. منهم علي وعثمان وعبد الرحمن بن عوف.. قال عبد الله بن عمر يكون معاهم ليرجّح، زي ما قال الريح، لكن لا يكون له من الأمر ده شيء.
وقال الناس ما يكونوا أكثر من ثلاثة أيام بدون خليفة.. حتى قال: إذا كان في الثلاثة أيام الناس ديل ما ولّوا خليفة، اضربوا أعناقهم وولوا من عندكم خليفة.
بعدين جاء عبد الرحمن بن عوف قال: أنا أخرجت نفسي من الأمر ده.. وأنا راح أختار لكم واحد.
أنا نصيبي سبته.. أنا سادس ستة راح أخلي الأمر ده يكون بين خمسة، وأنا أختار لكم واحد منكم، إذا وافقتو.. وافقوه.. برضه اللبس كان واضح في القضية.. جاء قال لـ علي، وده كان اختياره الأولاني، وفضل علي كان واضح جدًا.. قال لـ علي: هل أبايعك على أن تعاهدني أن تسير سيرة الشيخين، أبو بكر وعمر؟
علي قال له: اجتهد لا آلو.
نفض يده منه ومشى..
مشي لعثمان.. قال له: هل أبايعك على أن تعاهدني أن تسير سيرة الشيخين؟..
قال له: أُعاهدك.. أُعاهدك..
بايعه.. بعدين في الآخر طبعًا عُرف إنه كان بعيد جدًا، عثمان، من أن يسير سيرة الشيخين، وعبد الرحمن بن عوف كان مقاطعه إلى أن توفي.. إلى أن قُتل.
هنا تجي مسألة الدقة اللي قامت قبيلك هي العاصم.. لعله كونه علي قال "أجتهد لا آلو" دي أكثر مدعاة لأن يُبايع.. لكن ده كان عايزه يقول له "أعاهدك".. وعلي في صدره أنه سيرة الشيخين عظيمة جدًا.. ومن أصعب الأشياء أن يتعاهد الإنسان بأن يسيرها، لأنه الأمة نفسها تغيرت.. العهد اللي جاء فيه عمر، واللي جاء فيه أبو بكر، قريب من عهد النبي.. الناس اتغيروا، إن بقى هو عنده صمامة أن يسير بالناس على الجادة اللي ساروا عليها أبو بكر وعمر، الناس ما مستعدين ليسيروا معاه ليعاونوه.. ولذلك اتحرج.. فقال "أجتهد لا آلو".. لكن يبدو من الجانب الثاني، أن سيدنا عثمان كان فيه بعض الحرص منه على أن يكون، فقال له "أُعاهدك".. ما كان حقه عبد الرحمن ينخدع بالمسألة زي دي، كان حقه يعرف قيم الرجال، وحقه كان يقدر أنه علي متحرج من الأمر ده، وما تورط فيه بوعد.
بعدين حصلت طبعًا أنه سيدنا عثمان سار سيرة غير سيرة الشيخين، وحصلت الفتنة الكبرى وتقوض التاريخ، ونهض معاوية بنوع من الحيل، ووضع يده على الأمر وجعله فيما بعده وراثة في بيته، لغاية ما جاء ليبايع، هو نفسه، ليبايع ليزيد بن معاوية الرجل الفاسق، فاسق بالجارحة وخارج، وبايع له بإرهاب وبالحيلة، وبعدين تمكن يزيد بن معاوية أن يقتل الحسين بن علي.. أحسن الناس بقوا ضحايا لأسوأ الناس.. والسلطة سقطت في إيد ناس يكيدوا للإسلام ويكيدوا للمسلمين.
فالأمر في غاية الدقة، في غاية الحرج في أنه الإنسان يبرم فيه بسرعة.. إنتو سيبوا الجيل الأولاني.. شوفوا الأمر بيمشي كيف بعدين.
ـ