وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

إرادة العارف وإرادة الجاهل

ندوة مفتوحة - مدينة المهدية - السبت ١٩ فبراير ١٩٧٢

إرادة العارف وإرادة الجاهل

بعدين العباد والعارفين بيكمّلوا المسألة دي بحسن الثقة بالله.. فأنت في مرحلة المجاهدة، ما بتلقى العايزها.. لكن البيفوتك، ثقتك بالله، إنه أفضل ليك من اللي بتلقاه.. دي العبارة اللي قال فيها يعني: "من وثق بحسن اختيار الله له..." الحسن بن علي: "من وثق بحسن اختيار الله له، لم يتمنَّ غير الحالة التي هو فيها."
دي في مرحلة المجاهدة لتعرف.. لكن لمان تكون عارف عنده هناك، أي حاجة تتمناها تلقاها.. بمعنى إنك متمنِّي، إنت مريد.
ولولا إننا بننازعه، ما بنكمل نحن.. لاحظوا الحكاية دي.. بالمعنى الإنت مريد في التمنِّي، إنت منازع - منازع إرادته.. ودي حكاية الخطأ والصواب البيها بنرقى دائمًا.
حتى القصة المشهورة، وأنا قاعد أحكيها ليكم دائمًا، بتاعة الشاذلي مع شيخه عبد السلام - عبد السلام ابن مشيش - قال الشاذلي دخل عليه وقال ليه: كيف أصبحت؟
وكان شيخ كبير وعارف معرفة كبيرة.. فقال له: "أصبحت أخاف من برد الرضا، كما تخاف أنت من نار التدبير."
أصله المريد في الأول مدبِّر لأموره.. ما عنده معرفة بالله يتوكّل عليه.. بعدين ده نفسه، سكنت تب، ما بتنازع الله.. عبد السلام، ما عنده أي منازعة.. حيث وضعه هو موضوع.. زي الشيء.. دي خايف منها.. لأنها علامة نقص.. كأنه النفس ماتت يعني.
النفس الما تتحرّك برغبة زيادة، أو منازعة للربوبية، النفس الما بتتحرّك بالمنازعة لله، نفس ماتت.. فقال له: "أصبحت أخاف من برد الرضا."
ولذلك عبارتك إنت: إمّا مريد وإما ما مريد.. الإنسان دائمًا مريد.. لكن الإرادات الغليظة، اللي بتعارض إرادة الله وتسخط عليه، دي بتاعة الجاهل.. العالم إرادته تمني ما هو غير موجود عنده.. وده بإطلاع الله له للدرجات.
حتى لمان نبينا قال: "إنه ليُغان على قلبي، حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة.".. يُحجب - حجاب نور - اللي هو حجاب الفكر.. بعدين يستغفر من منازعته، لأنه أول ما تفكّر إنت، بديت تتمنّى شيء.. الفكر حركة.. هو يستغفر.. البتمناه يلقاه طوالي.. يستغفر من التمني، يلقاه، يرتفع درجة.. ويظل في استقرار وطمأنينة، تاني ينفتح له حجاب.. دا غان، تاني يستغفر، تاني، سبعين درجة.. "إنه ليُغان على قلبي، حتى أستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة."
فدي هي إرادة العارفين.. إرادة العارفين: حركة الخاطر بتمني مقام ما وصلته.. لكن مش اعتراض.. مش إرادة تُمارَس في معارضة إرادة الله.. الإرادة الحب هي مؤكد.
وعند الكبار، يعني الإنسان تستغرقه المحبة، حتى يعني يستعظم أن يكون في معنى من المعاني، ما يدركه هو.. ودي المرحلة بيسموها: الصبر عن الله.. الصبر عنه.. الصبر عنه علم.. أن تعرف إنك إنت أحقر من أن تعرفه.. ده الصبر عنه.
ولذلك هناك لمان قال: "لو توكّلتم على الله حق توكّله، لرزقكم كما يرزق الطير.. ولعلمتم العلم الذي لا جهل بعده." قال: "وما علم ذلك أحد"
قالوا له: ولا أنت؟
قال: "ولا أنا."
قالوا: ما كنا نظن الأنبياء تقصر عن شيء؟
جاء العلم الكبير: "إِنَّ ٱللَّهَ أَجَلُّ وَأَخْطَرُ مِنْ أَن يُحِيطَ بِمَا عِندَهُ أَحَدٌ".
بالعلم ده يكون الصبر عن الله.. لكن النفس، تكون من شدة الهيام والمحبة، عايزة لو تحيط بالمحبوب كله.. يجيها العلم:
"إِنَّ ٱللَّهَ أَجَلُّ وَأَخْطَرُ مِنْ أَن يُحِيطَ بِمَا عِندَهُ أَحَدٌ".. فترجع للعجز.
يبقى ده الصبر عن الله، وعندهم ده أصعب المقامات.
ـ