وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

المادية والإلحاد وضعف الحجة

ندوة مفتوحة - مدينة المهدية - السبت ١٩ فبراير ١٩٧٢

المادية والإلحاد وضعف الحجة

تفكير ماركس، علميًا بيرى أنه ما في حاجة لى الله.. المادة بتعتني بنفسها براها.. أنا لغاية الآن، يا عبد الرحيم، أنت أخدت لك دراسة كأنه في المادية والإلحاد طويلة.. أنا لغاية الآن، وفعلًا بشوف: هل في معنى للمادية - للإلحاد يعني - نحن ما مطلعين عليه؟!
لأنه ناس أذكياء ومثقفين بالصورة دي، ما مكن يكون بس الإلحاد عندهم إنكار وجود الله ودي انتهت؟
إلا أنه يكون في يعني... دي ما حقها تكون مشكلة عند إنسان.. وأنا أفتكر أنه المُلحد إذا كان ده المستوى من الإلحاد يبقى ده في غاية السذاجة..
ولذلك أنا دايما بتوخى النظر، هل عندهم معنى معين للإلحاد يربكهم فعلًا؟ وهل عندهم معنى معين للمادية يربكهم؟ وإلا يعني، وجود الله دا ما، بداهة العقول أدّته.
زي ما قلت، كنت بقول لعصام قبل يومين ولا كده، أنه العربي اللي قال: "البَعْرة بتدل على البعير"، ببساطة شديدة، انتهى إلى وجود الله.. جائز الناس يختلفوا في صفاته، وفي كمالاته، جائز دا يكون مجال.. لكن إذا كانت بداهات العقول المعاشة ما أدتنا أي شيء صنع نفسه، إيش معنى أنا وأنت والكون صنعوا نفسهم؟
يعني الحُجّة تكون في جانب أننا عندنا خالق.. العايز يوري أننا ما عندنا خالق، دا هو الـ عليه أن يخرجنا كلنا من النقطة دي.
لكن كل واحد مننا حقه يبتدئ بأنه الكون له خالق، لأنه بداهات العقول، زي ما قلنا، أعطت أنه الكون له خالق.
أما أن يكون في واحد يبتدئ من نقطة أنه الكون ما عنده خالق، ثم ما يكون في الحاجات المعاشة اليومية حاجة صنعت نفسها! دا شنو؟!
وقارودي كان بيحاضر في الجامعة المصرية، ويقدموه كبار المصريين، ومنهم بنت الشاطئ.. ويسألوه أسئلة، وبعدين يختموا محاضرته بالثناء عليه.. وجابت المجلة اللي أنت بتجيبها ديك... شنو؟ "الطليعة"، في أثناء كلامه قال: "أنا طبعًا ملحد."
"أنا طبعًا ملحد"، قال! أها طيب، مش حقه يحل مشكلته هو أول قبل ما يجي يحاضر الناس؟
...
جاء، واهتموا ليه كثير فعلًا..
.. مسطحة ولا مو مسطحة؟ الأرض في ولّا ما في؟ هل في بداهة ممكن تقول الأرض ما في؟
هنا إذا كان جات الأرض مسطحة ولا مكورة، أهي دي البداهة تتحول.. ودي يبقى صفات الله.. فنحن النتفق أنه هو في، بعدين نختلف في صفاته.
زي ما يمكن أن نتفق أنه الأرض في، أهو عايشين فيها ولامسنّها، ودي أصبحت بديهية عندنا، ولا يمكن أن يجي يقول لينا نحن واقفين في الهواء.. ما بيجي واحد يقول لينا كده، البداهة دي ما بتنقض.
طيب، إذا كان طول مدى حياتنا وحياة الجنس البشري، وتاريخنا، ما وجدنا حاجة صنعت نفسها، أصلًا ما تخلّفت القاعدة، أصبحت البداهة دي ما عايزة لها كلام..
لكن الصانع كامل ولّا ناقص، معليش.. أنا جائز أعرف الصانع من صنعته، مثلًا، بقدر ما أعرف الصنعة.. أهو دا حدّاد عمل التربيزة دي، أنا أفتكر أنه دا حداد متوسط المقدرة.. تربيزة أحسن منها توحي لي أنه حداد جيد.. تربيزة أسوأ منها توحي لي بأنه حداد رديء، مثلًا.. لكن الحداد دا، أصله أنا مُش راح أُناقش في أنه هو في ولا ما في! التربيزة دي ما ممكن تكون صنعت نفسها.
فنحن، دي البداهة اللي تهمنا، ودي ممكنك إنت تقول ما تعمم في المحلات الثانية، يعني، في الأجرام الأخرى.. لكن البداهة برضها تقول: من باب أولى، إذا كانت الأشياء الصغيرة احتاجت لصانع، الأشياء الكبيرة تحتاج لصانع.. البداهة دي تمشي.
على أي حال، ما في شيء يصادم دي إلا منطق أقوى منها.
لكن نحن نبتدئ بأنه "الله ما في"؟! ده كيفن بيكون؟ بس نبتدي بيها كيف؟
ما دام البداهة كلها تعطينا أنه كل صناعة لها صانع، يبقى ما ممكن نبتدي بأنه الكون ما عنده صانع.. إلا أن تكون يعني.. حاجة الواحد يستغرب فيها.. هل الملحد بيفتكر أنه يعني من كمال تبريزه وتفكيره أنه يشك في ما آمنوا بيهو للناس كلهم..
المُلحد.. شنو يعني لمان قال "أنا طبعًا ملحد"؟ عايز يوري الناس أني أنا بفكر أحسن منكم؟ أنتو ناس مغفّلين ساي ولّا شنو؟
دي ما كلمة يقولها إنسان أصله.. أنا شخصيًا لو حاضر في الاجتماع دا، أول حاجة أقول له: أنت كملحد، عندك مشكلة ذاتك.
أمش حلها حتين تجي تقيف الموقف دا، عشان تعلّم الناس؟
حل مشكلتك دي! اللهي لسوء الحظ مشكلة ما متورّط فيها.. الإنسان الجاهل ما متورط فيها..
والقرآن يبتدي بالبداهات دي.. يعني.. القرآن، في تقريره لوجود الله وإثبات وجود الله، يبتدي بالبساطة الزي دي.
وفي وحدانية الله، يبتدي بالبساطة الزي دي.. كلها نظر..
...
بالبداهة ما بقى مرفوض.. على أي حال، حرية بتجي بالإنكار ما في.. إن بقى هو بيفتكر أنه كدة.. يبقى هو جاهل جهل فظيع.. اللي هي نفس القصة اللي نحن طالبينُّه أن يعترف بها.
الإنكار التزام بحاجة معينة.. والحر.. الحر ذهنه فاتح.. هو أنكر بناءً على شنو؟ لو سُئل: أنكر بناءً على شنو؟
أنكر لأنه ما بيعرف الله، ولمّان ما بيعرف، جعل جهله حجة.. أكثر، جعل جهله فضيلة.. عايز الحرية من مسألة الحرام والحلال والعيب وكده يعني.. عايز يفعل ما شاء.. إلّا أن تقول كده يعني..
...
عندهم حتمية.. عندهم حتمية.. التاريخ عنده حتمية.. يعني ماشي بالصراع، لخطط كأنّها مرسومة وموجّهة، وما هم يملكوا مصيرهم.. المادة أهم من العقل، فما بيعتبروا أنفسهم آلهة.. يعتبروا أنفسهم جزء من قانون فعّال بقانون المتناقضات دي، صراع المتناقضات، وفيه حتمية دائمًا ماشي للتوحيد، بتصفية المتناقضات.. حتى عندهم، عندهم أنه الإنسان ما يأكل.. يعني ما يأكل يكيّفه، مش هو يكيّف ما يأكل! لو قال هو يكيّف ما يأكل، يجعلوا العقل قبل المادة.. كونه هو ما يأكل، ما يأكل يكيّفه، بقت المادة هي الفاعلة.
ـ