فإذن الأشياء، يعني التطور في الناحية دي طوالي مستمرة.. والتعليم كله في جسدنا ده.. زي العبارة اللي قالتها قبيلك بتول.. التعليم كله في جسدنا: قواه الظاهرية وقواه الباطنية.
وحتى عندما نتعلم الحِرَف، يجب ألا نكون.. زي هسّع المدنية الغربية الآلية، بتعلِّمنا المهنة لنكون منتجين.. والمنتج يقابله المستهلك.. نحن نفسنا ننتج ونستهلك، لكن لازم كمان نوجد مستهلكين، حتى نوهم الآخرين بأنهم بيحتاجوا لشيء معيّن ليستهلكوه.. لكن المهنة ما حقها تكون لمجرد الإنتاج والاستهلاك، المهنة لتكون عندنا مقدرة على التوحيد في جسدنا، زي توحيد الفكر واليد والعين مثلًا.. شايف؟ أهو ساعاتي.. دي مهنة.. لكن ما حقو نحن ننظر للساعاتي، أو هو ينظر لنفسه، أنه مهنته دي عشان يكسب منها.. مهنته برضو عشان تكون عنده دقة فيما يرى، وما تعمله إيده، وما يفكر فيه عقله.. والحقيقة دي، دي المهمة الكبيرة جدًا للمهن كلها والحرف كلها.
التعليم إذن، إذا كان ربط الحرفة بتحقيق وحدتنا الداخلية، وفي الطريق نحن بنكسب عيشنا وبنخدم مجتمعنا، يبقى ده التعليم.. لكن أن أكون أنا مثلًا مهندس بارع جدًا، وكلّ همي أن أعمل الأشياء لأكسب منها قوتي، حتى لغاية ما يمكن ما يهمني المجتمع بيكسب شنو.. لولا قوتي يمكن ما أشتغل.. أها دي آفة التعليم الحاضر.. ولذلك لمّن أنا أعمل، أنا مفكّر في نفسي بس.. وإن وجدت أنّه ما أعمل بتجويد وألقى المرتب البلقاه، ما في بأس.. وإن وجدت أني بعد ما آخد مرتبي، ألقى رشوة من واحد تاني كمان، ليزيد مرتبي في العمل ده، مع إني ماخد عليه مرتب، ما في بأس.. ففارقت المسألة، فارقت الأخلاق، وفارقت القيمة الفردية.. المهن فارقت كده.
لكن إذا كان بدينا أنه التعليم هو في الحقيقة السيطرة على أعضاء جسدنا دي بالصورة دي، حتى التعليم المهني تطلع قيمته لينا في التوحيد.. ولذلك العمل اليدوي يبقى مهم.. الإنسان أن يجيد عمل واحد على الأقل إجادة كبيرة ضرورية جدًا، وأن يكون تعليمه كله نظري زي الفلسفة مثلًا، ده كلام فارغ.. إن شاء الله يكون بيعرف ينسج عنقريبه في البيت، ولّا يعمل كرّابه، لازم يكون في شيء كده.
إذا كان ظهر بالصور الزي دي، أفتكر الناس بيكونوا ماشيين في التجسيد في اتجاه التوحيد.
يبدو لي أنه "تعلموا كيف تتعلمون؟" ده موضوع كبير جدًا، ما أظنه هسّع انتهى.. نحوله لندوة مقبلة برضو، والإخوان يواصلوا فيه فكرهم، والتعرض للواردات فيه.. "تعلموا كيف تتعلّمون" راح يكون موضوعنا برضو في الندوات المقبلة، ويمكن برضو "تعلموا كيف تعلِّمون".. دي، "بتول" برضو أشارت للموضوع ده، في أنه مثلًا أطفالنا بيتأثروا.. الحاجة اللي بيعملها عمره ٢٠ سنة، قد اتكوّنت عنده وعمره سبع يوم.. نحن ما بنفتكر كده.. نحن ما بنفتكر أنّه الأطفال بيعرفوا، لكن كل الشخصية تتكون في الأيام الأولانية دي.. وما يجيئه تاني في مقبل أيامه وهو كبير، كله يتلون باللون اللي حصل في الأول.
وممّا انفتحت عينيه وأذنيه على الوجود ده، وحسّه - جسمه ده - بالشعور بالحاجة البيشعر بيها، هو ابتدأ يتكون التكوين العاطفي والفكري.. لذلك برضو "تعلموا كيف تعلِّمون" أنا أفتكر بتدخل في "تعلموا كيف تتعلّمَون".. تدخل.. لأنك إنت معلِّم ومتعلِّم.. معلِّم ومتعلِّم.. وإنت في الداخل فيك الفردية دي، يعني كأنما روحك بتعلِّم نفسك.. إذا كنت بتقدر تدرِّج الناس الآخرين بره، بتدرِّج نفسك جوه.
... تدرج الآخرين، أحسن حاجة هي تدريج الضعيف.. وده ما بيحصل في بنيتك، روحك دي بتدرِّج نفسك الضعيفة.. "سيروا على سيري فإني ضعيفكم، وراحلتي بين الرواحل ظالع".
ولذلك تلقى أنه "تعلموا كيف تتعلمون" بتمشي معاها "تعلموا كيف تُعلّمون".. وما من إنسان عنده فايدة ليديها للناس الآخرين؟، إلا يجني فائدتها أضعاف، "لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم".. طوالي، تجي أنك تعلِّم معناها تتعلم.
وإذن الموضوع واسع جدًا، نخليه يمشي لقدام برضو، ندوتنا المقبلة بكرة تكون فيه برضو إن شاء الله.
---