وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الرجوع إلى الوطن القديم

مؤتمر عيد الفطر ١٣٩١ هـ - ود مدني - منزل البوشي - ٢٠ نوفمبر ١٩٧١

الرجوع إلى الوطن القديم

الموضوع أصبح واضح أفتكر، في القول بأنّه المواصفات اللي بترجعّنا لوطننا، هي الـ بتنطبق على الطريق اللي بيكون أوله عندنا، وآخره في وطننا.. أوله عندنا وآخره عند الله، بعد ما تقرر أنّه وطننا هو الله.
وكان الأستاذ نميري في كلام الفترة الأولانية من الجلسة أشار إلى النظر للداخل.. مشكلة الإنسان المعاصر هو أنّه مشغول بالخارج، ودي حقيقة.. الحقيقة أنّ الجلبة الخارجية، والصخب الخارجي، والأشياء المبالغ فيها في الخارج، دائمًا شغلت الإنسان عن داخله.. والحكمة الإلهية ما جعلت برضه الخارج عبث، لكن جعلت الناس اللي بيشتغلوا بالخارج، وينتهوا على الاشتغال بالخارج، مشتغلين بالقشرة.
الفاكهة عندها لبّة وعندها قشرة.. أي واحد مننا ما بيأكل القشرة.. بتاع البطيخ، قشر البطيخة، ما بتأكله.. بداهة، بتقطع البطيخة لتصل للبتها، وبتقشر البرتكانة، وبتقشر الموزة.. دي في بداهتنا المعاشة، لكن في النواحي الروحية نحن عِمي، زي الإنسان الـ بيأكل القشرة ويسيب اللبّة.
الموضوع في اشتغالنا بالخارج، اتوكد في الوقت الأخير أكثر منه في أي وقت ماضي، لأنّه الخارج صخبه كبير.. صخّاب ودوشته كبيرة وملفت.. وفعلاً حاجة الإنسان أن ينظر إلى الداخل.
الحكمة الإلهية ما جعلت فرقة بينه وبين أنفسنا.. "من عرف نفسه فقد عرف ربه." فجعلت الوصول لـ الله هو الوصول لأنفسنا.. ودي فيها حكمة كبيرة، هي أنّنا نحن أنانيين في الحقيقة، ما بنعمل شيء إلا لغرض.. الإنسان المَغرَض الرديء الغرض هو الـ بيعمل أغراض جهالته - نفسه السفلى، أنانيته المتسفلة، أنانيته اللي بتجد لذتها في ضرر الناس ومخالفة الناس.. ده بنسميه ذميم ورديء وأناني.
لكن من الناحية العامة نحن كلنا أنانيين، ما بنعمل شيء إلا لأنفسنا.. العارف والعاقل يعمل الأشياء لنفسه العليا - نفسه الإنسانية، مش نفسه الحيوانية.. والنفس الإنسانية لا تجد لذتها إلا في إسعاد الناس وفي خدمة الناس.. سعادتك من سعادتهم وخيرك من خيرهم.
أبو العلاء – أظنه – اللي قال: فلا هبطت علي ولا بأرضي، سحائب ليس تنتظم العباد
ما عايز السعادة وحده.. والحقيقة: الإنسان لو شعر شعور حقيقي، أنّه إنت ما ممكن، لو كنت حساس وذكي بس، ما ممكن تعيش سعيد بين الأشقياء.. هنا الأنانية دي هي عنصر بحثنا عن الله.
نحن عايزين الله لأنفسنا، مش له هو.. عايزين الله لسعادة أنفسنا.. وهو من حسن تدبيره لينا، وحسن تأتيه لتربية نفوسنا، جعل وجوده مع وجودنا.. "من عرف نفسه فقد عرف ربه." إذا وجدت الله وجدت نفسك، إذا وجدت نفسك وجدته، لأنّه نحن وهو، نحن وطنه، وهو وطننا.. زي عبارة: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ .. وزي عبارة: "المؤمن مرآة المؤمن." الـ في الحديث.. المؤمن: الله، والمؤمن: العبد.. الله اسمه المؤمن، والعبد اسمه المؤمن.. والعارفين قالوا: الله بيظهرنا وبنظهره.. عبوديتنا تظهر ربوبيته.. ربوبيته تظهر عبوديتنا.. وده المعنى اللي به نحن وطنه.. "ما وسعني أرضي ولا سمائي، وإنما وسعني قلب عبدي المؤمن.".. الأرض والسماء على سعتهن، ما بيسعن الله، لكن وطنه في القلوب - قلوب المؤمنين.. نحن عندما نصل لأنفسنا، نصل لوطننا، نصل لله.. والمعنى ده فيه إرضاء للأنانية وبحث فيه غرض.. أي عمل إنساني ما عنده غرض - ما عنده غاية - يبقى عبث وما هو موجه.
فنحن خرجنا منه بالخطيئة، زي ما أشار سيف، وحديثه كان جيد جدًا.. بعدين مشى عليه بدر الدين لمّاً قال إنّه طريق رجوعنا هو قص آثارنا راجعين.
واحد من إخواننا، من الركابية في بارا، كلّمني كلام طريف جدًا عن حالتهم بعد المهدية.. قال لي: بعد واقعة أم درمان، أُذن لينا في الخروج.. الإنجليز قالوا أي زول عايز يمشي لأي محل من أهله عايز يمشي، لأنّهم عرفوا إنّ الخليفة كان هجّر الناس لأم درمان، وهم جابوهم من بارا.
قال لي: المرحلة الأولى من رجوعنا لوطننا كانت في الهجيليج، اللي هي القرية من رفاعة، قريتنا من رفاعة.. قال لي: في الوقت داك نحن كلنا جُهر.. الأجهر يشوف بالنهار ما بشوف بالليل.. بعدين البيوت كلها بتتعشّى في محل واحد.. فقال: في الليل.. بالنهار كل واحد مننا ربط حبل من بيته لغاية بيت العشاء، اللي هي الخلوة بتكون.. في الليل يشيل قدحه ويمسك الحبل ده، لغاية ما يجي يتعشّى، بعدين يرجع بالحبل ده لبيته.. وكأنّه ارتدّ على آثاره قصص.. الحبل بيوري طريقه الـ جاء بيهو وبرجّعه.
القرآن هو الحبل ده في الحقيقة.. وربنا يقول: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا﴾
والعروة: العقدة بتاعة الحبل الـ جنبك.. والحبل إذا بتتابعه وأنت ماسك في عروته، بتمشي لطريقك.. الحبل ده القرآن.. وزي ما قال عنه خالد: ممكنك تقول (لا إله إلا الله)، لأنّه (لا إله إلا الله) هي خلاصة القرآن.
(لا إله إلا الله) أولها عندنا، من آدم: "خير ما جئت به أنا والنبيون من قبلي (لا إله إلا ا)لله." وآخرها عند الله حيث ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾.. فالشهادة على مستويين: شهادة عنده في إطلاقه، حيث يعرف نفسه، وده تحقيق توحيده.. وبعدين نحن نقول (لا إله إلا الله).. قالها آدم، والنبيون من بعده، والأمم من بعدهم من أتباعهم.. وكل ما يقولها عارف، يقولها بأكثر مما قيلت في الماضي.. وكأنّه عمود التوحيد يبُرفع باستمرار، ماشي لـ الله.. نحن بنشهد في الأرض لكن كمال شهادتنا أن نشهد على وحدانيته كما يشهد هو، وهيهات، لأنّه لا يعرف الله إلا الله.
لكن دي الشريعة وده الحبل.. و﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾ .. هدا هو (لا إله إلا الله).. ومن (لا إله إلا الله) تطلع الشريعة، وده معنى كلام خالد إنّه أوله في الأرض، وآخره عند الله.. الشرائع ترتفع بين الأيام، لأنّه الشرائع بتدبّر معاشنا، والشهادة دي تدبّر معادنا - رجوعنا.. الصوفية يقولوا: المعاش والمعاد.
وتسمعوا حكاية المعاد عند اليهود: أرض المعاد.. لمّاً هاجروا لمصر أرسل موسى ليرجعهم لأرض المعاد.. ودي هم ماشيين ليها لغاية الآن، بالصورة دي.. والبشرية كلها في الحقيقة، في وقت حلمهم هم بـ "أرض المعاد"، البشرية كلها حلمانة بـ "أرض المعاد".. وهم ما قايلين، ما عارفين، أرض المعاد اللي بيحلموا بها، ده برضه من ما يسمّوه الصوفية "استراق السمع".. هم قايلين فلسطين، لكن دي الموجة العامة في الرجوع لـ الله.. وهم مش راح يرجعوا لفلسطين بالمعنى أنّه يغتصبوا أرض العرب، وتتحل مشكلتهم.. بيجيهم الإسلام ليرجعهم لأرض المعاد الحقيقية مع الناس الآخرين، إن شاء الله.
فالشاهد أنّه المنهاج يجب أن يحقق تنظيم المعاش وتنظيم المعاد.. وده في مستوى الفرد ومستوى الجماعة.. مستوى الفرد ما فصلّه سعيد، في مسألة الاشتراكية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، اللي بيكون بها المجتمع أعدّ المسرح، لكل واحد مننا ليحقق فرديته بمجهوده الخاص في العبادة.
دي المواصفات اللي قالها خالد، وهي مواصفات بطبيعة الحال جيدة جدًا.. وأدّينا الفرصة، ما وجدنا من يعترض عليها.. بعد المواصفات ما جازت - مرّت - جاء خالد ليفصلّها، جاء بدر الدين يتكلم عنها كلام طيب، اتكلم عنها سعيد، اتكلم عنها سيف.. كله كلام جيد جدًا في الصورة دي.
---