وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

طبيعة النفس الأصلية والمكتسبة والانفتاق

الاستغفار والثالوث الإسلامي والصلاة - مدينة المهدية - ٢٢ يونيو ١٩٧٢

طبيعة النفس الأصلية والمكتسبة والانفتاق

العبارة الـ أشار ليها مجذوب أنه النفس عندها طبيعتين، دي الوارد فيها التعبير برضه بأنه النفس عندها أنانيتين... "الأنا" بتقع في موضعين: الأنانية العالمة والأنانية الجاهلة.. والطبيعة الثانية للنفس هي حقيقة ماها طبيعة أصيلة، طبيعة مكتسبة.. والتعبير بـ (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) دي إشارة ليها - (ما كانوا يكسبون).. يعني ما يتعرضوا له في معترك حياتهم اليومية في مجتمعهم الصغير، في الأسرة، ومجتمعهم الكبير، من مذام العادات ومن موروث النقائص الخُلقية، الـ بيلقاها الإنسان في مجتمعه.
والإنسان في أول أمره زي بيكون أصم، كأنه مع الطبيعة المكتسبة - الطبيعة الثانية.. وناسي طبيعته الأصلية اللي هي الخير.. الإنسان طبيعته الأصلية خير مطلق.. لكن يحول بينه وبين الخير، الشرور المكتسبة والأخطاء المكتسبة والعادات الرديئة المكتسبة.
وفي أول أمره هو دائما ماشي، معنى أصم، أنه دائما متوجه في اتجاه الطبيعة الثانية - الأنانية الجاهلة - الشهوة من حيث هي شهوة.. ودي المرحلة اللي سمي فيها الإنسان، في النفس الأمارة.. والنفس الأمارة هي منطقة الحيوان.. في الإنسان، بس منفتحة على الإنسان.. والإنسان بيبدأ بيها دائما.. يعني الإنسان في طفولته هو ماشي مع اتجاه أنه أصم.. وهو، كأنما هو مركز الوجود، كل شيء لازم يستجيب له ويتسخر له.. وما عنده تكييف غير أن يمشي في اتجاهات هواه..
ولمّاً يحصل التكليف، هو في الحقيقة التكليف مرحلة متقدمة، لكن من بدري بيبتدي الطفل ينقسم... مجرد معيشته في المجتمع بتخليه يشعر بأنه مش هو كل شيء في البيت مثلا، في ناس آخرين عندهم اعتبار، بيبتدي ينقسم.
لمّاً تجي مرحلة التكليف، وتجي مرحلة الحرام والحلال، وده عيب وده كويس، وكدا، ويمشي في اتجاه أنه يتجافى عن الحاجة الرديئة المذمومة بالشرع، أو مذمومة بالعرف، بيبتدي الانقسام يكون واضح.. و العبارة بتاعة (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) في آيات الآفاق معروفة، في آية النفوس برضه تقوم.. وأول عبادة العباد المجوّدين أن يحصل الانفتاق ده.. لمّاً يحصل الانفتاق، هم العباد المجودين في الحقيقة بيتعمدوه ويتكلّفوه، خصوصا بالصيام.. الصيام الصمدي، معروف عندهم، ده بيكون بيهو الانفتاق بصورة كبيرة... كأنما بيكون في طرفين للعقل.. طرف لطيف وطرف كثيف.. والمجالات به هي المجالات السبعة اللي سُمّيت مراتب النفوس.. من النفس الأمارة اللي هي في الأول يمشي لغاية النفس الكاملة، العابد بالصورة دي.. لكنه في مراحله الأولانية، وصوله للنفس الكاملة ما بيتم، وبقاؤه فيها سريع الرجوع منه.. يرجع إلى النفس الأمارة.. والبندول - بندول الفكر - يستمر بين المراحل دي كلها يمر عليها.. ودي ما عُبّر عنها بـ (الحرام بين والحلال بين).. ديل الطرفين (وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس.. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه ولعرضه).
نحن بعد ما نجي نسلك بتكون مقاساتنا في الأول، الحرام البين والحلال البين.. أنت لمّاً تحاسب نفسك بتحاسبها على أساس من العلم، وأساس من الشريعة.. ولمّاً توريها أنه ده خطأ، وأنه ده صواب، مقاسك الشريعة.. والشريعة بعدين تضيق في مراحل أنك تحاسبها على ما ليس في الشرع به بأس، اللي هي مرحلة الورع.. وتمشي لغاية ما تجي في مرحلة الاستقامة..
---