وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الثورة الفكرية والثورة الثقافية

جزء من ندوة غير معروفة التاريخ والمكان

الثورة الفكرية والثورة الثقافية

فالثورة الفكرية هي التغيير البيطلق الفكر من انتماؤه. إذا الفكر وجد الانطلاق ده، بياخذ ميزان.. بتحقيقه هو للانطلاق ده بكون عنده ميزان لينظر في وجوه الثقافة.. لأنه الثقافة هي محصول البشرية عبر السنين، في التجربة اللي انخزنت في ذاكرتنا، مما بدا الإنسان يكون خطوة فوق الحيوان.. مما بدا يكون في ذاكرة وخيال بدأت الثقافة.. في أبسط الصور، عندما استعملنا الآلة، اللي هي يمكن حظ مشترك بينا وبين الحيوانات العليا.. مجرد من استخدمنا الآلة في تجاربنا، أصبح عندنا تخيّل، وأصبح عندنا ذاكرة، والذاكرة هي الطرف الثاني للتخيل، مجرد ما في خيال في ذاكرة، مجرد ما في ذاكرة في خيال، بالمعنى ده.
الثقافة بدأت بالصورة دي.. ونحن باستمرار نهذب فيها ونشذب فيها، زي ما إنتو شايفين.. الآلة اللي هي هسة يمكن في القنبلة الذرية، أو الصاروخ اللي مشينا بيهو للقمر، بدا بالحاجة البسيطة اللي هي الآلة اللي استعملها الإنسان الأولاني.. ما في قفزة عبر الفضاء، هي تطوير.. السلاح القاتل به الإنسان الأول، قول سلاح حجري، حجر سنين قاتل بيه عدوه، أو صاد به أكله، هو الأصل بتاع القنبلة الذرية اليوم. تطوّر في خط باستمرار ماشي في تحسين.
فالثقافة هي محصولنا ده بصوره المختلفة، لكنه متنافر ومنتثر، بعضه يكون ضد بعض، فيما يظهر لينا، ونحن عايزين ننغّمه ليكون في اتجاه الحياة زي ما قال نميري.. بدل واحدة ماشية كده، واحدة ضد الثانية، عايزين ننغم الأفكار دي والمحصول ده، لنشوف الوجوه البتوحده شنو؟ وكل غرض الثقافة أن يدينا فكرة عن البيئة البنعيش فيها.. لأنه الثقافة هي محاولة لأن تتسع الحياة باستخدامها لوسائل معيشتها في البيئة البتعيش فيها.. إذا كان في أشياء ضدنا، نحن عايزين ولّا نهزمها ولّا نجعلها معانا.. فإذن الثورة الثقافية هي وسيلة.. الثورة الفكرية وسيلة.. الغاية الحياة.
الثورة الفكرية هي وسيلتنا لتكون عندنا ثورة ثقافية.. بالفكر الصافي عندما نواجه الواقع والمحصول اللي عندنا فيه، والقوى الطبيعية اللي بتشتغل ضدنا واللي بتشتغل معانا، ضدنا في ظاهر الأمر ومعانا في ظاهر الأمر، كلها نجعلها تسير في ركابنا وتخدمنا.. دي، النظر للأشياء المشوشة والأشياء المتنافرة والأشياء المعارضة لينا، لنوحّدها لتكون في اتجاه الحياة، عايز الفكر الصافي.
الفكر الصافي هو الفكر المنطلق دائما، ومتحرر دائما، وما منتمي لصورة معيّنة عايز يتعصّب ليها.. الفكر ده نحن ما بنلقاه إلا إذا حرّرناه من عادته وكسله، وده عايز منهاج.. بعدين بمنهاج تحرير الفكر، ننظر في الثقافة، نعرف كيف ننغّمها لتكون في اتجاهنا.. بتنغيمنا للثقافة لتكون معانا، المعارف كلها، ادراكنا للوجود الحولنا ليكون هو صديقنا مش عدونا في الحقيقة، زي ما بيظهر لينا في الوهلة الأولانية - وهلة الجهل - نجد أنه بنينا استقرار داخلي.. الأشياء البنفتكرها عدونا في الوجود الخارجي، هي في الحقيقة ما عدونا، لو عرفناها تمام، هي صديقنا.
فإذن تتّسع دائرة الصداقة وتقل دائرة العداوة، كل ما عرفنا حقائق الموضوع، إلى أن تجي المسألة في أنه هي في الحقيقة كلها مظاهر الله، اللي هو ربنا، اللي هو أعرف بمصلحتنا منّنا، اللي هو أولى بينا مننا، اللي يجب أن نكون معاه في أنس وثقة وطمأنينة ورضا بيهو.
وده من هنا يجي أنه الثقافة تقويم.. الثقافة تقويم.. دي نتيجتها.. النفس المقوّمة نفس مثقفة، مش النفس العندها محصول كثير من المعارف هي النفس المثقفة، النفس المقوّمة هي النفس المثقفة.. من هنا، من الثورة الفكرية والثورة الثقافية نصل لحياة الفكر وحياة الشعور اللي بنتكلم عنها دائما.
حياة الفكر هي الفكر الصافي المتحرر، الما متعصب، الماهو ضيّق الأفق.. ده إنعكاسه على حياة الشعور أنه القلب يبقى سليم من الأحقاد ومن الضغائن ومن البغض.
فحياة الفكر وحياة الشعور تقوم على الثورة الفكرية والثورة الثقافية.. الاثنين وسائل.. الثورة الفكرية هي تحرير الفكر من أن يكون منتمي لشيء.. والثورة الثقافية هي نظر الفكر في الأشياء اللّي بيشوف ليها تشويش وليها معارضة، لننغّمها في اتجاه واحد، لنبني كل واحد متّسق ومنسجم، من لبنات كثيرة مشوّشة، واحدة بجاي، واحدة معاكسة دي، واحدة معارضة لدي.. كأنك بترص الطوب رص يمشي لبناء بدل ما كان منثور في كل جهة.. كأنك بتبني.
عملية البناء دي عملية ثورة ثقافية.. البناء البيبني ويضع الأشياء في مواضعها لتكون كل متكامل ده الفكر.. الثورة الثقافية والثورة الفكرية علاقتهم ببعض زي دا.. ما أعرف هل النقطة دي كانت واضحة ولا لا؟ لكن من اختلافهن زي ما قلنا اختلاف مقدار.. الثورة الثقافية تخص النظر في المحصول الفكري والوجود المادي.. والنظر في المحصول الفكري للبشرية، والوجود المادي، يقتضي فكر صافي.
والفكر الصافي يقتضي منهاج، بيهو ينطلق من عاداته الذميمة - الفكر - اللي هي العادة، أهمها وأسوأها العادة.. وده نحن بنتكلم عنه عن الإيمان والعلم.. الإيمان عادة.. الإيمان أحسن من الجّحود، لكنه أقل من الفكر.. الإيمان ذاته آفة.. فضيلته تجي لمّاً نجحد.. أفضل المؤمن.. المؤمن المتعصب اللي بيقول ليك الحقيقة دي ولا كدا، إنت تراها بالصورة دي ولا أنت كافر، أها دا برضه سيء.. يجي ينطلق يمشي للمعرفة.
المعرفة أهمها في حرية الفكر، الحق ما كله عندك أنت.. دي أهم حاجة الواحد يعرفها، المفكر لازم يعرف دي.. الحق ما كله عندك.. قد يقوله ماركس، يقول كلمة، أنت ما تفتكر أنه من الوهلة الأولانية ماركس على خطأ وأنت على صواب، إلى أن تعرف ماركس، شنو الخطأ فيه والصواب فيه؟ لكن إن ختيته كله كتلة كده، ما استطعت أن تحلّل الوجهين فيه، وحكمت عليه بأنه هو مخطئ أنت ماك حر، ولاك مفكر.
والتوحيد يرفض ده.. لأنه التوحيد يقول الباطل المطلق ما يدخل في الوجود.. إذن لو قال ماركس (لا اله والكون مادة) دي ما غلط، إلى أن تعرف الغلط شنو والصواب شنو فيها.. وده ما يطلبه التوحيد في الحقيقة.. ولذلك نحن بنقول أنه الثورة الثقافية بتجي بـ(لا إله إلا الله)، عشان كدا اتكلمنا فيها المرة الفاتت.
ــ