وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الآيات الكونية والآيات الإلهية والسير إلى الله

محاضرة تطوير شريعة الأحوال الشخصية - ٨ ابريل ١٩٧٢ - نادي السكة حديد بكوستي

الآيات الكونية والآيات الإلهية والسير إلى الله

الشرائع ماشة تتطوّر، وماشة مع المعرفة ومع تواكُب البشريّة لتوجّهها لتسييرها إلى الله، لكن «لا إله إلا الله» دائمًا ثابتة.. وثابتة في اللّفظ، مش في التحقيق.. والتحقيق مربوط بالمعرفة الكونيّة.. نحن عندنا معرفة كونيّة: الآيات الكونيّة والآيات الإلهيّة.. الآيات الإلهيّة في النفس، والآيات الكونيّة في الخارج.. والآيات الكونيّة وسيلة الإنسان لمعرفة الله، حتى أنّه الله جعل الكون مطيّة لينا، وجعلنا نحن مطيّة له هو.
الكون وسيلتنا نحن، ونحن وسيلته هو، بمعنى أنّه نحن بالكون نعرفه، لكن الكون ما يعرفه.. نحن البنعرفه.. بنعرفه بالكون: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.. وقال: «ما وسِعَني أرضي ولا سمائي، وإنّما وسِعَني قلبُ عبدي المؤمن».. بالسَّعة دي، بالمعرفة، نحن مطيّته بالمعنى ده.. نحن عبيده، نظهره.. نظهره بأن نرتفق بالآيات الكونيّة.
الآيات الكونيّة تمشي مع التوحيد.. كلّما عرفنا نحن من الآيات الكونيّة أكثر، لما نرجع لـ«لا إله إلا الله» نحقّق قيمة في معرفة الله أكبر.. والله مُسيّر الناس له بالآيات الكونيّة والآيات الإلهيّة، وما في شيء يدخل في الوجود إلّا بإرادته.. ما في حاجة هي عمل الشيطان.. ما في حاجة هي عمل إبليس.. كل ما في الكون هو إرادة الله، وإرادة الله فيها حكمة هي تسيير الناس له.. والآيات الكونيّة وسيلتنا زي ما قلنا.
وعند الصوفيّة أنّه في كشوفات نورانيّة وكشوفات ظُلْمانيّة.. الكشوفات النورانيّة هي اللي بيكون فيها المعرفة بالله، ودي يعرفوها المتوجِّهون لله في عبادته وتوحيده.. الكشوفات الظلمانيّة هي المعارف الماديّة: يعني الناس اللي بيمشوا للقمر، أو يغوصوا في الأرض، أو يعرفوا قِمَم الجبال في الأرض، أو أغوار المحيطات الفيها، أو الذرّة وفَلْقها وتكوين المادّة.. كل الكشوفات المهمّة اللي نحن بنشوفها، وبها التقدّم التكنولوجي الحاضر المرتبطين بيه نحن في حياتنا اليوميّة، دي تُسمّى كشوفات ظُلْمانيّة: معرفة بالكون.
المعرفة بالكون دي لا تُغني عند الله عن المعرفة بالله، لكنها هي مطيّة العارف بالله، هي وسيلته.. وهو يرتفق بالكشوفات الظلمانيّة ليصل للكشوفات النورانيّة.. وربنا يقول عن الكشوفات الظلمانيّة إنّها ما لها علم: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾.. بالكشوفات الظلمانيّة يصلوا الناس للكشوفات النورانيّة.
وده اللي نحن بنقول بيه: إنّه البشريّة الحاضرة مادّة جاهزة لأن تشتعل فيها المعارف، وترتفع لقِمّة ما سبق ليها مثيل؛ لأنّه آيات الآفاق عُرفت في وقتنا بصورة كبيرة جدًّا.. ودي هي — في حقيقتها — مقدّمة لأن يرجعوا الناس لله في الآيات الإلهيّة.. بعد الاطلاع على الآيات الكونيّة، يتأذّن الله بأن تجي الآيات الإلهيّة، وده موعود الدين العائد ليه.. موعود ديننا يعود على قِمّة هي للبشريّة كلها.
البشريّة يومها ترتفع به ارتفاعًا كبيرًا، وتملأ به الأرض عدلًا كما مُلئت جورًا.. ده بتحقيق «لا إله إلا الله» في ارتفاع عمودها لقِمّة ما سبق ليها مثيل.. النقطة دي تكون واضحة ومقرّرة: إنّه الناس، العهد الذهبي للإسلام أمامهم، ما وراءهم.. وأنّه البشارة جاية به، مع أنّه قبيل النذارة وردت في الكلام اللي قلناه، في «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» و«يُوشِكُ أنْ تَدَاعَى عليكم الأمم» — أحاديث أوردناها كثير.. جاءت البشارة في قوله في: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء».. قالوا: مَن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «الذين يُحْيُون سنّتي بعد اندثارها».. وفي القرآن البشارة واردة.
---