وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

السموات ودرجات النفوس

جلسة مفتوحة – أسئلة سلوكية وعرفانية

السموات ودرجات النفوس

مسألة السماوات ومسألة المعراج اللي جاية عندنا، هي في الظاهر السماوات المعروفة.. لكن في حقائقها، درجات العقول، اللي هي النفوس نحن بنسميها.. فالسماء الرابع هو النفس المطمئنة.. وكثيرين جدًا من السالكين بيقيفوا في النفس المطمئنة، تكون دي درجتهم وما بشوفوا بعدها حاجة.. ما أعرف في محل من محلاتنا افتكر إتكلمنا عنها، بأنه السالك بيكون في مشقة شديدة من المجاهدة، لمّاً يصل للنفس المطمئنة بيكون كأنما قطع من الصحاري، كأنه هو المسافر الـ في الصحراء وصل لواحة.. وجد المويه والظل والفاكهة والخضار.. فالشقاوة اللاقاها قبل ما يصل بتنسيهُ أنه في مجال ثاني يمشي فيه.. بخت رحله ويقعد.. ودي أكثر السالكين بيكونوا فيها.. فما أضغاث أحلام أنه الواحد يرى أنه في سلوكه وصل للسماء الرابع، وقوبل فيها وحصّر حاله.. دي كلها في.. وهي درجات سلوكه.
بعدين ده كأنما هو المجاهد.. اليكون في النفس المطمئنة المجاهد.. لكن اللي ربنا مرسل ليهُ ومصطفيهُ ومختاره بيزعجه، بعد ما يقعد مدة.. كل سالك بيقعد في السماء الرابع درجة، في النفس المطمئنة زمن، بعدين إن بقى ربنا مرسل ليهُ، يزعجه منها، ويسيّره لقدام ثاني.. أها يرجع في مجاهدات جديدة، في مستويات جديدة، ليمشي للنفس الكاملة، اللي هي بتشبه النفس المطمئنة، اللي هي الدرجة بتاعة السماء الرابعة.. وما يراه فيها من استقبال، ما يراه فيها من أنوار، ما يرى فيها من ملائكة كلها حق.. كلها مشاهد علمانية وعِرفانية.
لمّا النبي أُسري به وعُرج به في الليلة ديك، بعضهم قالوا أصله ما غادر مكة، جُمع ليهو الوجود كله.. أها ديل الناس اللي بيعتبروا السير في النفس الداخلية.. وبطبيعة الحال السير في النفس الداخلية، قشرته - مظهره - هو السير في الأرض.. يعني نحن لما نسير من هنا لمكة، نفسانيًا المقصود مننا أننا نسير من عقولنا لقلوبنا.. ماشين لبيت الله.. بعدين السير ده ما هو مُهَيأ لينا، إلا إذا تم في الآفاق، بالتعب والمشقة، والمراسيم بتاعة الحج والإحرام، والتقشف الـ بنلقاه، وندخل في الرهبة والقدسية اللي بندخل بيها لما نصل الكعبة، ونطوف حول البيت بالصورة دي، لتتم لينا حركة السير الداخلي.. آ هنا المظهر بيكون أنه النبي، عرج بيهو ربنا في السماوات كلها، ليتم العروج الداخلي.. الحكاية الأساسية هي العروج الداخلي.
فالسماوات السبعة، والنفوس السبعة، كلها المقصود منها درجات من العقل، درجة فوق درجة، لغاية ما يجن لدرجة الكمال في الفكر والعقل، اللي يكون بيه العقل كأنه القلب.. العقل يتخلّص من أوهامه، [ويجي يتفق معاه]، زي كلامنا امبارح في كلية الفنون، أول امبارح، يجي الميدان، يستقيم.
أنا شخصيًا بأعتقد إنه الجمهوريين لو حاولوا دائمًا إن يقرنوا بين الآفاق الخارجية والداخل، وان يعرفوا أنه النفوس معناها درجات في الفكر، في العقل، ده معنى النفوس، بيكون السير عملي أكثر، والحديث علمي أكثر.
فالسماء الرابعة هي ما سُميت عند الصوفية بالنفس المطمئنة، وهي الدرجة الـ بيكون العقل الواعي، أصبح عنده سيطرة على العقل الباطن، حتى استطاع إن يُسكت كثير جدًا من الوساوس والخواطر البتشوش عليه.. أصبحت في مرحلة مهادنة.. بعد ما كافح كثير ضد القوى المشوشة الداخلية، أصبح في نوع من الهدنة بينه وبينها.. مرحلة الهدنة دي البتسكن فيها الخواطر، دي مرحلة النفس المطمئنة.
بعدين إذا كان ربنا مرسّل ليه، ربنا عايزه، لأنه السير لله بيقع في الدرجتين ديل، (الله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب). فالمهدي ده هو البيجاهد و بيستخلص أنواره بكثير جدًا من الطاقة في العبادة، والمجاهدة في العبادة.. ده سُمّي المهدي إلى مراتب السلوك.. فقال ربنا (الله يجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب).. المُجتبى ده، عمل قليل وأجر كبير.. المُجتبى يبتديء بعد.. هو بطبيعة الحال من الأول مكتوب ليه أنه مُجتبى، لكن بتظهر عليه، يظهر عليه الاجتباء بعد السماء الرابعة، أو بعد النفس المطمئنة.. يبتدي يزعجه ثاني مرة.. الخواطر اللي قبيل هادنت تقوم تتحرك مرة ثانية.. فهو يمشي لتسكينها في مستوى جديد.. مجاهدته في المستوى ده هو في الرضا.. يكون راضي حتى يصبح مرضي.. والمجاهدة في الراضية زي المجاهدة في اللوّامة.. بيناتهم شبه، غير إنه المجاهدة في اللوّامة لحجب الظلمات، والمجاهدة في الراضية لحجب الأنوار.. بعبارة ثانية، المجاهدة في اللوّامة لشهوات النفس، والمجاهدة في الراضية لشهوات الفكر.. وشهوات النفس، شهوات البطن والفرج.. شهوات الفكر، شهوات السيادة والرئاسة والسلطة والظهور، التكبّر.
هنا الدرجتين بيشبهن بعض، وبيختلفن عن بعض.. اللي بينزعج من النفس المطمئنة ليسير للنفس الراضية، مرتبته الـ بيرتاح فيها ثاني النفس الكاملة.. برضو هناك يكون في سكون، لكن ده بقى سكون أبدي، تاني ما فيه إنزعاج.. زي الحكاية لما قلنا لمّاً يسجد القلب، يسجد إلى الأبد.. للعبودية.
هنا كأنه المرحلة مرحلتين، سجود العقل في النفس المطمئنة، وسجود القلب في النفس المرضية الكاملة.. سجود العقل فيه نقص، إذا كان القلب ما سجد، العقل دائمًا فيه فكرة الرجوع.. إن ما رجع هسة هنا، يرجع في الآخرة.. يعني لابد ينكشف ليهُ أنه كان منطوي على بعض الظلام.. النفس المطمئنة منطوية على بعض الظلام.. النفس الكاملة هي اللي اتصفّت، وبقى ظاهرها وباطنها واحد.. النفس المطمئنة إلى حد كبير درجات المؤمنين.. النفس المرضية الكاملة درجات المسلمين.
ـ