وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الخواطر والظنون والأحلام

ندوات الخواطر - مدينة المهدية - أكتوبر ١٩٧٢

الخواطر والظنون والأحلام

هل الإنسان العنده خواطر شريرة وخيرة أفضل، ولّا الإنسان اللي ما عنده خواطر؟
... [الأصم] في حالة الجهل ناقص.. الأصم في حالة الكمال طيب.. وما في صمامة يكون بيها الإنسان صمد أو أحد، بالمعنى الأصلو ما يكون في خواطر، حتى العارف.. وتذكروا أنه العارفين بيخافوا كانوا من الرضا اللي ما فيهو خواطر.. دي قلناها مرة عن عبد السلام بن مشيش، لمّاً قال للشاذلي، وهو تلميذه طبعا، بتريض تحته، قال له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت أخاف من برد الرضا.. رضيت نفسه عن الله حتى ما بتتحرك بأي خاطر.. ودا خاف.. ده نوع من الصمامة.. الخواطر سكنت وهدأت.. لكن أن يكون راضي بي الله كل الرضا، حتى لا يكون في أي حركة سخط، ده ما دليل الكمال.. لأنه الله أعظم من أن يُرضى به كل الرضا.. لدقائق لطفه وفعله، يظهر ليك ما يسخطك مهما كنت كبير.. وهو خاف من دي.
الشاهد أنه الإنسان الما عنده خواطر هو مبتدئ، في علة.. والسالكين أصلهم بيثيروا الخواطر بالمجاهدات الأولانية، خصوصًا الصيام.. خصوصًا الصيام الصمدي.. الصيام الصمدي عنده قيمة عجيبة جدًا في هز الكيان الداخلي، حتى يخلى الثرثرة كثيرة خلاص.. بعدين تجي التصفية والغربلة.
فالإجابة على السؤال الفرعي الأولاني، أنه الإنسان العنده خواطر شريرة وخيرة، هو الإنسان السالك.. في ناس بيخافوا من دي، خلي بالك.. في ناس ينزعجوا خالص لمّاً تكون عندهم خواطر كثيرة، ولكن هي علامة صحة.. حتى الخواطر قد تمش للشك في الله.. سوء الظن بي الله.. حديث عن الله، الواحد يجده في نفسه لا يستطيع أن يبديه.. حديث عن الإخوان، حديث عن المشايخ، عنيف جدًا يجده الإنسان في نفسه، دي علامة صحة.. كأنه دا سؤال علي ماشي في الاتجاه ده، نحن ما بنسبق هسه تقرير حاجة، لكن ده فيما يخص السؤال الفرعي، أنه الإنسان العنده خواطر، هو الإنسان السالك.. الإنسان المبتدي وما عنده خواطر، ده أصم.. بمعنى أنه نفسه مكبوتة بصورة ما فيها حركة، ويجب أن يفعل حاجة لتحريكها.
وأما السؤال الثاني الفرعي، فالإجابة جاءت عليه، (إن بعض الظن إثم). قالوا: الظن اللي بيظهر فيما بعد أنه خطأ.. وده معناه أنه الظن المتفاحش في سوء الظن.. (إن بعض الظن إثم) الظن المتفاحش في سوء الظن.. هدا ظاهر إثمه، ما فيه، ما في دلائل تسندك منطقية في أنك تظن الظن ده بالإنسان الثاني.. دا مجرد الظن إثم.. بعدين (إن بعض الظن إثم)، الظن الـ بيجد توكيده بالقول.. بقى كأنه قول.. وقد يكون القول في أبسط صور التعبير عنه، سواء كان بالإشارة، أو بالعبارة، من غير ما يدخل في اغتياب.. إن دخل في الغيبة يبقى دا القول.. لكن الظن الموكد كتير، والملح كتير، ده يبقى إثم.. إثم لأنه بيأثر على التصرف بإلحاحه.
فدي الأجوبة على الأسئلة الفرعية.. الإنسان الما عنده خواطر وهو مبتدئ ناقص. والناس ما يخافوا من الخواطر، لكن يسترشدوا عشان يعرفوا ينظموها.. والخواطر زي، إذا كان، هسه الناس هنا في الصالون، أو في أوضة واحدة، بعدين ناس ما هم متضايقين، ما بيتزحموا على الباب، بيخرجوا واحد، واحد.. هدي الخواطر.. الصورة كده.. لكن لو حصل حريق في الأوضة، بيحصل شنو؟ يحصل خمسة وستة يهجموا على الباب، حتى لا يكاد يخرج واحد، وقد يرموا بعض ويدوسوا بعض.. وده الخطأ.. الخطأ مش أنه الخواطر تتحرك، وإنما الخطأ أنه الخواطر لا تجد تنظيم في التنفيس عنها.. والتنظيم في التنفيس عن الخواطر هو عمل العبادة في إعطاء الميزان، ياتو من الخواطر ما في بأس من خروجه؟ كده..
والحقيقة دي برضه قلناها مرات، أنه العابد وهو قاعد، في باب قلبه، زي السجّان.. في مساجين من الخواطر دي متردد سجون - مجرم - حقه يحفظ من الخروج للمجتمع.. ده يرقد جوة.. بعدين خاطر من الخواطر، كأنه مسجون للمرة الأولانية، أو كأنه مسجون مظلوم، دا العلم يديه فرصة ليخرج.. فكأنها الصورة هي دي.
أما الما عنده خواطر، ما يفتكر أنه الحالة دي حالة سليمة، ما يسكت عليها.. وكذلك الما عنده أحلام.. زي دي قيلت مرات.. ما في سالك ما عنده أحلام، هو سالك.. وقد يكون في سالك عنده أحلام لكن ما بيتذكرها.. دي مرتبة أقل في السوء من المرتبة اللي ما فيها أحلام.. وده برضه السالك المن النوع ده ما يسكت.. السالك اللي ما عنده أحلام ما يسكت.. السالك الما عنده خواطر ما يسكت.. السالك العنده أحلام لكن ما بيتذكرها ما يسكت، يشكي حاله.
وزي ما قلنا مرات، مجرد الشكوى خير - الشكوى للعارف يعني.. السالك ما ينطوي على نفسه.. السالك ما ينطوي على نفسه، ما يظن بنفسه حل مشاكله كلها.. ما من شك أنه السالك الكويس ما حقه كل قضية يعرضها.. يحاول، لغاية ما يشوف أنه عنده مشكلة يعرضها، يعرضها.. لكن إن بقت ما عنده محاولة، عنده مشاكل لكن ما عنده محاولة لحلها، ولا عنده محاولة لعرضها، ما بيمشي كتير.. إن بقى عنده مشاكل وعنده محاولة لحلها، لكن لمّاً تغلبوا بيسكت عليها، ويطول السكوت، ما بيمش كثير.
ــ