وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الحب والتسلط

مؤتمر عيد الأضحى ١٣٩١ - الجلسة الخامسة - ٢٨ يناير ١٩٧٢ - الموردة

الحب والتسلط

الحقيقة لولا أنه الزمن ضاق، كنت أترك الواردات الطيبة تنساب على الأخوان، من الأخوان المتحدثين، ولا يزال هناك أناس يتطلعون للحديث.. وأنا حاولت أن أستلم الميكروفون قبل ما يقوم واحد ويجب أن نعطيه الفرصة، الحقيقة أنه الوقت لم يبق فيه إلا نصف ساعة لهذه الجلسة.
جميع من تحدث في هذا الموضوع، تحدث بإجادة بدون ما يكون في تكرار لحديث الأخوان الماضيين. من أوشيك إلى محمد المبارك، جميع الحديث كان طيب جداً.
والمسألة في استعمال كلمة تسلط هي مجرد حيلة في التعبير، في اللغة العربية معروفة، لكن عند الصوفية معروفة أكثر، وقرب ليها جداً، أو قالها، حسن عبد الحفيظ وبدر الدين، أنه الحاجة المألوفة والمحبوبة عند الرجال، التسلط على النساء. الحاجة المحبوبة والمألوفة عند الأقوياء، التسلط على الضعاف. ويقولوا أنه لذة التسلط هي اللذة التي لا ينتهي الإنسان عنها، إطلاقاً.. يعني الإنسان قد يترك لذة الأكل والشرب، واللذات الحسية الأخرى، لكن لذة التسلط لا يستطيع أن يتخلص عنها.. ونقص العباد كلهم يجي من حب التسلط على الآخرين، لأنها هي رائحة الربوبية الفينا. رائحة الربوبية التي نحب أن نتخلص منها لنخلص إلى العبودية، هي حب التسلط على الآخرين.
ولعلكم تذكروا بيت الشعر، بيتي الشعر بنذكرهم كثير، اللي يقولوا أنه، سعد لما لم يبايع أبو بكر، وجد ميت، وقيل أنه قتلته الجن. لكن شاعر آخر من المعارضين لسيدنا أبو بكر قال: يقولون سعد شكت الجن قلبه، ولكن سعداً لم يبايع أبا بكرِ.. كأنه عايز يقول دا سبب موته، قُتل، لانو ما بايع أبو بكر، قتلوه أنصار أبو بكر.
يقولون سعد شكت الجن قلبه، ولكن سعداً لم يبايع أبا بكرِ
لقد صبرت عن لذة العيش أنفسُ، وما صبرت عن لذة النهي والأمر
والسبب في حب التسلط هو حبنا لأنفسنا.. الإنسان لما يكون ناهي وآمر، بتصح في نفسه، نفسه، يعني ما هو ضعيف.. ضعف بتوارى في أنه ناهي وآمر.. ودا بطبيعة الحال الحب الجاهل، ولذلك العبودية ضده. العبودية ألا يكون ليك سلطان على شيء. السيد أحمد بن إدريس يقول: اللهم لا تجعل لي على أحد من خلقك رائحة ربوبية. وكانوا لا يعتقدوا أنهم يملكوا شيء.
وقمة من مثّل هذا الموقف النبي المعصوم. فكان لا يُسأل شيء يقول لا.. لأنه بيرى أنه ممتحن، هل هو بيملك عين الشيء أم بيملك الإرتفاق به، والعين لا يملكها إلا الله. فإذا كان بيملك الارتفاق به لعل الذي سأله يكون محتاج للإرتفاق أكثر منه. ولذلك إذا سُئل ثوبه ينزعه لألا تكون له رائحة ربوبية على شيء إطلاقاً.
المسألة هنا في الحيلة التعبيرية عند الفصحاء في العرب، وعند الصوفية بصورة خاصة، أشار ليها بدر الدين، أنه الطريق إلى القلوب عن طريق المعدة. وعند الصوفية أنه الناس يدعون بحاجات نفوسهم، ليصِلوا لحاجات أرواحهم. ومعروف أنه سيدنا موسى كان مشى للنار، والنار كانت حاجة نفسه. أن يجد قبس يصطلي بيه، ويصطلوا بيه أهله. وأن يجد على النار من يهديه للطريق، لانو هو سايق زوجته وأضل طريقه، وكانت الليلة مظلمة. لكنه لما ذهب للنار وجد النور، فنسي النار. ذهب لحاجة نفسه، وجد حاجة قلبه، وحاجة روحه، فنسي النار، وربنا أغناه عنها.
والصوفية يسوقوا الناس بحاجات نفوسهم.. يعني إذا كان الناس بيحبوا الدلوكة والعرضة، يجيبوهم بالنوبة.. النوبة تشبه حاجات نفوسهم، يجوا وهُم في غفلة، ليجدوا الرقص اللي ألفوهو في حاجات اللهو، فيهتدوا.
ولذلك يجي النابلسي يقول: (ادخل الحانات واشطح، واغتنم صوت الملاهي) لأنه الملاهي النفوس تستجيب ليها، بعدين تجي لغوايتها، تجد هدايتها. فهنا عندما تدعو الناس ليتسلطوا، دي الحاجة الألفوها في العهد الماضي كله، زي ما أشار حسن عبد الحفيظ..
لكن إذا جوا لحاجات نفوسهم، فكان طريق تسلطهم على النساء المحبة، يجدوا في الآخر أنهم ما متسلطين. بل الحقيقة المحب ما بيسأل حبيبُه بيعطيه شنو، بيسأل نفسه هو بيعطي شنو لحبيبه.. وتجد أنه التسلط ماع هنا، وبقى بدل هو عايز يتسلط، يبقى مسلط عليه..
و يقولوا أنه عبد الملك ابن مروان لعلُه، الخليفة الأموي المشهور، عنده، طبعاً الأمويين كانوا قصورهم محل للحريم. عدد كبير جداً من الحريم.. هو عندو ثلاثة من الآنسات بيحبهم، يُلاحظ أنه بيعدد في حبه، وبرضو لما تشوف أنه عندو زي ٢٠٠ جارية، الثلاثة برضو نوع من التوحيد بالنسبة له. فقال:
ملك الثلاث الآنسات عناني، ونزلن من قلبي بكل مكان
عجباً تطاوعني البرية كلها، وأطيعهن وهن في عصياني
ما ذاك إلا أن سلطان الهوى، ملك قوين به على سلطاني
فتجد أنه لما تمشي للمحبة في الآخر، بوسائلها، تجد أنك اتخليت عن التسلط، وبقيت ما تستطيع أن تستخرج شيء من محبوبك، إلا بأن يكون هو مُحب ليك هو الآخر يتفانى في أن يفديك.
ودا هو السبيل في دعوة السلوك دايماً. الناس يدعون بحاجات نفوسهم، يصلوا في الآخر ليحققوا أغراض، تخلي حاجات نفوسهم هينة عندهم، يخرجوا من نفوسهم السفلى، إلى نفوسهم العليا، زي ما قال شيخ أحمد.
في الآخر تنتهي النتيجة إلى الكمال، وأنُه في الحقيقة لمّاً أنت تحب، تخرج من أنك مُحب لنفسك، لتكون مُحب للآخرين، ومحبتك للآخرين هي المحبة العليا، ودي تلتقي دايماً عند الله. ما تستطيع أنت أن تحب، وأن تكون محبوب، إلا إذا كان الوضع المشترك بينك وبين من تحب هو الله.
لكن إذا انصرفت لتحب في غير الله، يبقى حبك يجي بنتائج هي ناقصة.
فالدعوة إذاً هي دعوة تسليكية، وبتستعمل الحيلة في دعوة الناس لما ألفوا، ليجدوا ما لم يألفوا. يُدعون بحاجات نفوسهم، ليجدوا حاجات أرواحهم. يُدعون إلى أنانيتهم السفلى، وهم في السعي دا محفوزين بما ألفوا، يجدوا أنانيتهم العليا، فتكون المحبة هي وسيلة التسلط، ولا تسلط.