وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

السير إلى الله بالزهد وتحييد العقل

أهداف الدعوة الإسلامية الجديدة - مدينة المهدية - ١٨ يونيو ١٩٧٢

السير إلى الله بالزهد وتحييد العقل

السير لي الله، رسمت الشريعة طريقه، لإنه الشريعة جات لتروض العقل ليفكر.. وأول ما بدت به الشريعة، قالت أنّه (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به).. فأصبحنا نحاول أن نخلّص عقلنا من أن ينحرف مع الشهوة ومع الهوى ومع الرغبة.. والعبادة كلها تقع في مضمار أن يكون العقل محايد.
ولذلك جاء الزهد.. الزهد من أكبر الصفات للعباد.. والزهد معناه أن رغائبك تكون قليلة، حتى ما يكونن مؤثرات على فكرك لينحرف ويسير في اتجاه ما تريد أنت، وإن كان غير ما يريد الله وما يرضي الله.. عشان المسألة دي تحرزها جات مسألة الزهد، وكان فيه قيمة كبيرة، وأعتبر أنه من أكبر صفات ال العباد.
مسألة العبادة هي محاولة للتحييد، لأنه أصله الأمر بين الخير والشر.. الأمر بين الخير والشر، بين الحلو والمر، بين المتضادات، بين... الأصل كان وحدة. بعدين ربنا خلق الضدية، عشان منها نفهم.. وربنا ما متأثر بالضد.. ربنا ما بيتأثر بالحلو ولا بيتأثر بالمر، ما بيتأثر بالخير ولا بيتأثر بالشر، ما بيتأثر بالغنى ولا بيتأثر بالفقر.. ما في الحاجات دي، الاعتبارات دي عند الله ما في.
ولذلك الانسان الماشي في طريق الله بيحاول أن يكون ما بيتأثر، كأنه تستوي عنده الأمور.. وده من نوع الـ أولاً رياضة النفس على عدم السير المتكالب على الشهوات.. ثم معرفة الأمر عند الله، إنه ما يدبره لنا هو أحسن مما نريده نحن.. ثم محاولة تقليل حاجياتنا، اللي هي بيجي فيها الزهد.
والحقيقة أنه الرغبة بتحرف الإنسان عن أن يرى.. دي مرّات قلناها، في أبسط صورة، إذا كان إنسان مثلاً داخل للأوضة دي ليجيب تربيزة، مستعجل ليجيب التربيزة ويجي، قد لا يرى في الأوضة في شنو غير التربيزة، لأنه داخل وهنا في ذهنه أنه عايز تربيزة.. قد يكونوا في ناس وهو ما يشوفهم.. قد يكون في حاجات كتيرة جداً ملفتة للنظر هو ما يشوفها، لأنه أصبح مسبّق، ملتزم ومرتبط وراغب في أن يجيب حاجة معيّنة، فلا ترى عينه إلا الحاجة المعيّنة.. وده أبسط ما يقال عن انحرافات الفكر لما يكون عنده رغبة معينة في أن يصل لنتيجة.
ولذلك تجي التربية: (ما أصاب من مصيبة في الأرض، ولا في أنفسكم، إلا في كتاب، من قبل أن نبرأها. إن ذلك على الله يسير . لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما أتاكم، والله لا يحب كل مختال فخور).. فبالتربية بالصورة دي كأنما الإنسان بيمشي في الصراط المستقيم بين النقيضين.. والشريعة فعلاً جات بيهم لتروض الفكر ليكون في الحياد.. قال زي الحديث بتاع (الحلال بين والحرام بين).. أهم ديل الطرفين: (الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس. فمن اتقى الشبهات، فقد استبرأ لدينه ولعرضه).
وتكلمنا بأنه بين الاثنين ديل بتجي مراحل، من صاحب الحرام وصاحب الحلال ال في البداية، بتيجي المراحل اللي بيمشي فيها الورع، ويمشي فيها صاحب اليمين، ويمشي فيها البر، ويمشي فيها المقرّب، ويمشي فيها المستقيم.
الصراط المستقيم ده هو الغرض منه في الحقيقة أن يكون الفكر قوي، ما منحرف يمنة ولا يسرة.. وده ما ذكرنا أنه إذا كان الأدب جاء، أدب الطريقة، وأدب الشريعة، وأدب الحقيقة.. الإنسان المبتديء، يبتدي بأدب الشريعة، ثم بأدب الطريقة، ثم بأدب الحقيقة.. ودي كلها تعين الفكر على أن يحايد.
ــ