وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

الفكر طريق الرجعى - القلب لا يخاف

أهداف الدعوة الإسلامية الجديدة - مدينة المهدية - ١٨ يونيو ١٩٧٢

الفكر طريق الرجعى - القلب لا يخاف

ومن المألوف أن الناس يتكلموا عن درجات النفوس السبعة، يقولوا النفس الأمارة، والنفس اللوامة، إلى النفس الكاملة.. نحن برضو حاولنا أن نوري أنه دي هي طبقات العقل في الحقيقة.. وإن كانت بيتكلموا عنها عن النفوس في حكايات الصوفية.. لكن هي العقل.. العقل فيهو طبقات، في المستويات دي، وكلها مراتب ترسّب في الموروث من الكبت، في عمر الحياة، وعمر المجتمع، والموروث من الكبت في عمر الفرد الواحد.
والسير ده في مراقي تدريج النفوس، هو سير في الحقيقة في تصفية العقل، لأنه العقل بتحرفه العادة وبتحرفه الشهوة.. وهي وصفت بها النفس، لأنه النفس هي مكان الشهوة.. لكن هي صفات العقل ودرجاته.. ونفس الأطوار اللي قلناهن هناك سبعة برضو، صاحب الحرام البين والحلال البين هو المؤمن العادي، قبله صاحب النفس الأمارة.. صاحب النفس الأمارة ما دخل في الكلام اللي تكلمنّاه في مقدمة (أسئلة وأجوبة)، لكن بتلقوا أنه الأطوار اللي بيجي فيها المستقيم هي الأطوار بتاعة النفوس السبعة.
يبقن ستة لأنها بدأت من صاحب الحرام والحلال، اللي هو في مقابلة النفس اللوامة، مش في مقابلة النفس الأمارة.. النفس الأمارة سقطت من حسابنا.
هنا الدرجات دي، لمّاً يجي يسير الإنسان في الخط المستقيم، اللي يكاد يشق الشعرة زي ما قلنا، دي كلها دقة في الفكر.. وزي ما لاحظ "بدري" في كلامنا الأخير هنا، الفكر ده يدق لغاية ما يخرج عن الزمن.. زي ما قلنا حكاية (ما زاغ البصر وما طغى) صفة للفكر في الحقيقة.. نفى عن الماضي والمستقبل.. (ما زاغ البصر) ما رجع، (وما طغى) ما مشي للمستقبل، وإنما عاش في اللحظة اللي هو فيها.. عندما يعيش الفكر في اللحظة اللي هو فيها، تقيف الحركة، ويقيف الزمن، فيرى الذات هناك.. وبرؤيته للذات يرد بحر الحياة الخالدة المطلقة، الما بتؤوفها آفة، اللي هي حياة الله.. ودي وسيلتها العلم.
فهنا الإنسان المغترب ده، الدعوة الإسلامية الجديدة لترسم له طريق الرجعى.. و طريق الرجعى، الفكر.. بعدين الفكر بيُمارس في التطبيق، بيجي مقابلة الفكر للواقع، وده العمل.. ولمّاً ربنا يقول (إليه يصعد الكلم الطيب)، (العمل الصالح يرفعه) قال.. (إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه).
نحن بنقول (الكلم الطيب) هو "لا إله إلا الله" و(العمل الصالح)، "الصلاة".. ويمكنك أن تقول (الكلم الطيب) هو "الفكر الصافي"، و(العمل الصالح) هو "القلب السليم".. لأنهم ديل أصلا الجهازين اللي أنت بتعمل عليهم.. وأنت دائما محاول أن توجد الوحدة بين المتناقضات.. يعني (إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين)، ديل النقيضين.. أو عندما تجي أنت في وحدة البنية البشرية تتكلم عن (يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول)، أهو أنت عايز الثالوث ده.. توجد الأصل بيناتهم، الأصل بيناتهم دائما سلامة القلب.
والعبرة الحقيقية بالقلوب، الرب رب قلوب، لكن القلوب قسمها الخوف.. والخوف ما هو صفة القلب هو في الحقيقة صفة الفكر.. القلب ما بخاف، القلب ما فيه شرك.. القلب ما فيهو غير الله.. سواء كان صاحب القلب ده مسلم أو مؤمن أو مشرك أو حيوان أو ذرة من ذرات الوجود، ما في غير الله.. حتى الصوفية يقولوا أسماء الله جرت من ذرات الوجود، مجاري الأرواح في الأجساد.. ما في غير الله أصلو.. لكن القلب، لمّاً كان عايز يصل لكماله، في صورة محسوسة في الحياة، لمّاً ربنا أراد له بالصورة دي، برزت القشرتين اللي قلناهم قبل كده.. اتغلّف، اتقوقع في الجسد، ثم الجسد احتمى بالعقل.
والعقل بيلمس الطريق للرجوع، زي عكاز الأعمى.. الأعمى راجع لبيته، عكازه هو سبيله.. نحن راجعين لبيتنا، راجعين لربّنا، عكازنا الفكر ده هو طريقنا.. والخوف والشرك والشك كله هو حظوظ العقل في الحقيقة، لكن بيعكسها على القلب.
القلب عايز يجد صورته كلها في العقل.. كأنّه إذا كان العقل كمُل، ورُفعت الحجب بينه وبين القلب.. إذا العقل كمُل، بقى زي المراية الصافية، ورفعت الحجب من بينه وبين القلب، تنعكس الحقيقة القديمة على الصورة الجديدة، يجي الإنسان الكامل من هنا.. الإنسان الكامل هو صورة الله، وربنا لمّاً خلق الخلق، خلقهم ليرى صورته فيهم.. زي ما أنت بتعاين في المرآة.. جمال ربنا عايز يراه في خلقه.. الإنسان الكامل بيكون صافي بالصورة ليعكس الحقيقة كلها.
هنا الخوف هو الكدورات اللّي خلت القلب يضّطرب، والعقل يوجل، ويكون زي مثلا صفحة الماء يجي عليها الهواء، يتوّر فيها موج، أو يخلّي صفاها داك يتبرجل.. المحاولة كلها في العبادة أنه تأمّن الإنسان من الخوف، حتى يكون عقله صافي، تنعكس فيه الحقايق، بدون تأثيرات، وبدون حجب.. ف هو محاولة السير بالصورة دي.
لذلك صفاء الفكر هو الأصل، وكل توظيف الوظائف في التكاليف، وفي العبادات، وفي إرسال الرسل، من أجل أن يصل الإنسان للصفاء ده، وأن يرفع الحجب اللّي كانت لابد أن تكون مرحلة أولانية، قدّم بها رجل أولانية، كبت، الرجل الثانية اللي بتكون عند الله، هي فضّ الكبت.. وفضّ الكبت ده ما بتم.. لأنه هو في الحقيقة كأنه هو الوجود الثاني.. الحرص على حياتك، وجودك، حتى الصوفية يقولوا في الناحية دي (وجودك ذنب لا يقاس به ذنب).
الذنب الحقيقي وجودنا مع وجوده.. الوجود ده سرمدي ما بينتهي بالمرة.. وجود الرب، وجود العبد، بعد ما تنتهي الأشياء كلها، كل ذرات الوجود تدخل في الهيكل البشري.. بعدين في آخر المطاف ما يبقى غير الرب والعبد.. وجود الرب والعبد وجود سرمدي.. ما دام في رب في عبد. الربوبية سرمدية، والعبودية سرمدية.
الحجاب القائم بيناتنا، بيننا وبينه، العقل.. باستمرار نروّضه، ليدق، حتى يوقّف نفسه.. آ لمّان يوقّف نفسه تكون الذات البشرية شاهدت الذات الإلهية.. ثم يعود الحجاب مرة ثانية، لأنه ذبذبته سريعة جدا، فيكون ما أخذ العبد، ما أخذه من الشهود الذاتي، قيمة كبيرة، قيمة مطلقة، علم مطلق.. بعدين بيجي يخرجه هو عن طريق عقله بيجي القيد.. لأنه العلم عايز العبارة وعايز التطبيق.
ــ