وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

هل صلاح الفرد في صلاح المجتمع؟ أم صلاح المجتمع في صلاح الفرد؟

أهداف الدعوة الإسلامية الجديدة - الخرطوم - ٢٦ يوليو ١٩٧٢

هل صلاح الفرد في صلاح المجتمع؟ أم صلاح المجتمع في صلاح الفرد؟

افتكر سمعنا إجابات طيبة على سؤال الأستاذ عبد الله عبد الهادي، وهو سؤال في غاية الأهمية، بل الحقيقة انه هو المحك اللي عليه تقاس صحة الأفكار الاجتماعية، والفلسفات الاجتماعية عبر تاريخ الناس - عبر تاريخ البشر.
والعجز بظهر في الفلسفة عندما تقدم الفرد على الجماعة، وتهدر حق الجماعة، او تقدم الجماعة على الفرد وتكبت حرية الفرد.
الوضع ده يمكن الانسان يقول انه هو المحك اللي تفشل فيه الماركسية.. الحاجة المهمة ان نعرفها انه التوفيق بين الفرد والجماعة هو الصخرة اللي بتتكسر عليها جميع محاولات المفكرين الاجتماعيين.. وهي في غاية الدقة، في غاية الصعوبة.. والفرد مصنوع بطبيعة الحال زي ما قال أستاذ عبدالله، لكنه صناعته ما بتبتدي مما ولد إلى أن يموت، هو برضه وارث للتاريخ البشري كله في الصناعة دي.. فهو بيقع عليه الكبت في مرحلتين: مرحلة حياته الخاصة، ومرحلة التاريخ البشري الموروث، اللي هو جاي منه.. ولذلك المسالة ما هي بالسهولة دي حتى نحن نقول انه مصنوع، ويمكن إذًا ان نصلّح صنعته في المجتمع بالسهولة اللي ممكن اذا انصلح المجتمع انصلح الفرد.
والحاجة الأساسية ان الفرد هو الأساس، حتى يمكن للإنسان ان يقول ان المجتمع اختراع من اختراعات الأفراد، ليستطيعوا ان يصلحوا انفسهم.. الفرد لما بدأ في الأول عايز، بغريزة القطيع الفيه، وبالحالة من الامن اللي بيشعر بها جماعة، عايز ان يعيش في جماعة.. ومن هنا نشأ القانون.. ضرورة أن يقيد غرائزه وشهواته واندفاعاته، ليعيش في جماعة.. ضرورة أن يعرف أنه حد حريته هو بداية حرية الأخ الآخر المعاهو في المجتمع.. دي هي اللي بدأ بيها القانون وبدأ بيها المجتمع يسير في طريق الانسان بعدما كان في مرحلة الحيوان.
و الكبت ده قديم.. الانسان الأولاني الكبت غرائزه بالصورة دي هو جدنا البعيد خالص خالص في تاريخنا.. ورّثنا شيء من الكبت القديم ده.. ونحن لمّاً نجي في المجتمع اول ما نبقى رشداء وبالغين ومسئولين نبتدئ كمان نكبت.. القانون والعرف يفرضوا علينا ان لا ننفّذ كل اندفاع من اندفاعاتنا.. نحن عايزينه يكون عندنا على انفسنا سلطان.. أها الكبت ده هو الموضوع العايز اصلاح في الحقيقة.. وزي ما هي النظرية المعروفة اللي تقول ان الناس كأنما اتفقوا ان يعملوا شركة.. الشركة دي تتمثل في المجتمع، وانه كل واحد منهم يكتتب برأس مال فيها، هي تنازله من قسط من حريته، ليستطيع ان يستمتع بباقي الحرية مع الجماعة.
والمجتمعات البدائية كانت تأخذ من الافراد قسط كبير جدا من حريتهم.. وكلما المجتمع سمح ومشى لقدام وأمِن واطمئن وبقت حياته حياة فيها رغد، فيها سلام، كل ما سمح للأشراك فيه - للأعضاء الافراد فيه - بحريات اكثر.. ونهاية الغرض المطلوب من المجتمع أنه يكون الإنسان في المجتمع حر حرية تامة.. يمكنك أن تقول أن يكون حر حرية مطلقة.. أها ما ممكن القانون يديهو الحرية المطلقة، لكن ممكن التربية تديهو الحرية المطلقة.. ودا الأمر البقدم الدين على الشرائع كلها وعلى الأفكار السياسية والاجتماعية كلها، لأنه الدين بيعني بالتربية.
الدين بيعني بالفرد أولا والجماعة ثانيا.. وبعدين يجعل تشريعه مثلا في العبادة، اللي هو عناية بالفرد في المكان الأول، إعداد له ليستطيع ان يمارس حياته في الجماعة برشاد.. هو حر في الجماعة، على شرط ان لا تتعدى حريته على الاخرين.. أها دي يجيبها من التربية.. وقيمة الدين انه شريعته بتقع في المستويين ديل.. مستوى العبادة، دي شريعة الفرد لأنه علاقة الانسان بالله.. مستوى المعاملة، ودي شريعة الجماعة، اللي هي علاقة الانسان بالإنسان الاخر..
بعدين الامر اللي ذكره الأستاذ عبدالله في أنه (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه او يمجسانه او ينصرانه) ده ما أشرنا له بالكبت اللي بيضطر له المجتمع الإنساني، في ان تكون هناك حدود على اندفاعات غرائزه.. الكبت ده في (فأبواه يهودانه او يمجسانه او ينصرانه) بمعنى أنّه أبواه يؤثروا عليه في المجتمع الصغير بتاع الاسرة ويسيروه في اتجاه، موش هو اتجاه حريته في الحقيقة، لكنه اتجاه مسئوليته، عشان يعرف الحرية مسئولية مش فوضى.
نجي، نتجه في أنه الفرد، اذا ما اتربى في الأول، المجتمع لا ينصلح.. وده يمكن السر في ان الإصلاحات الكبرى كلها جات بالنبوات.. الأفراد اتصل بهم السماء فأصلحهم وأرسلهم ليصلحوا.. وجاء حديث نبينا فيه (ادبني ربي فاحسن تأديبي).. دي نبوته.. بعد ما اتأدّب (ثم قال: خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) هدي رسالته.
ولا يمكن ان ينصلح مجتمعه ده لو ما هو اتربى بالصورة اللي يستطيع ان يسلك فيها برشاد وبحكمة، وان يشرّع في المستوى اللي ينقل الفرد من فساده في الجاهلية، الى صلاحه في الإسلام.
فإذن القاعدة الأساسية يمكنك ان تقول أنه اصلاح الفرد اول.. لأنه الناس ما بنبع منهم الرأي للإصلاح.. دايما آراء الإصلاح فردية.. ودايما القيم فردية، والعلم فردي، لكن يشيع بين الناس، بشيوع الافراد المتعلمين والافراد المفكرين.. لكن في القاعدة لا يمكن ان ينصلح المجتمع إلا إذا انصلح الفرد.
ثم الافراد العندهم تأهيل للمسالة دي، لمّاً ينصلحوا، زي ما قال عصام، يجوا هم ليعينوا الافراد الأوساط ، العاديين، لينصلحوا بإصلاح المجتمع.. المجتمع كأنه الاب الشرعي للأفراد الصالحين، لكن لابد ان يصلحه انسان مُنتقى ومُنتخب.. فلذلك الإصلاحات سواء كانت من الفلاسفة، او كانت من الأنبياء، اللي هي في القمة، انصلحوا هم أولا ثم صلحوا الافراد والمجتمع.
وزي ما قال عصام الدين، العلاقة بين الفرد والجماعة علاقة أنه الفرد بيأثر في الجماعة، وبيتأثر بالجماعة.. الفرد بيتأثر بالجماعة، وبيأثر في الجماعة.. البداية بالفرد ما فيها كلام ابدا.. لكن الفرد ده لمّاً يكون صالح، بيأثر في الجماعة، لأنه بينشر صلاحه في الدائرة الضيقة اللي هو فيها، وتتسع الدائرة زي ما حصل في الدعوة الإسلامية الأولانية، بالصورة دي.
بعدين الجماعة لمّاً تكون مثلا صالحة، الأبناء لمّاً يولدوا، يولدوا على صلاح، ويسيروا في استقامة، بدون ما يحتاجوا للتجربة القديمة، اللي وُلدوا فيها الناس في مجتمع الفرد.
هنا الإجابة على السؤال راح تكون أنه صلاح الفرد فيهو صلاح المجتمع.. كأنه اصلو الفرد ما بعيش منعزل، ولا بعيش في فراغ، بيعيش في الجماعة.. والفرد الصالح بيصلح من حوله.. بعدين صلاح الجماعة فيهو صلاح الفرد.. فالمجتمع مؤثر ومتأثر بالأفراد، لكن في القمة صلاح الافراد، لأنه بدون ما يكون في داعية للصلاح لا يكون في صلاح في المجتمع.
ـ