وثاني ما تعطيه حقيقة الأشياء أن الوجود خير كله.. لا مكان للشر، في أصله، وإنما الشر في مظهره.. وسبب الشر هو جهلنا بهذه الحقيقة.. ومن ثم، فليس هناك ما يوجب الخوف.. ونحن لا نستطيع أن نستيقن هذه الحقيقة الكبرى إلا إذا تلقينا من الله بغير واسطة، ولا يكون لنا ذلك إلا إذا لقينا الله، ونحن لا نستطيع أن نلقاه إلا إذا عشنا متحلين ((بأدب الوقت)) وهو أن نعيش اللحظة الحاضرة، غير مشتغلين بالماضي، ولا بالمستقبل.. وهذا ما من أجله فرضت الصلاة.. وهذا هو الصلاة..

كتاب (رسالة الصلاة)

كيف نغير أنفسنا ونغير الوجود من حولنا

أهداف الدعوة الإسلامية الجديدة - مدينة المهدية - ١٨ يونيو ١٩٧٢

كيف نغير أنفسنا ونغير الوجود من حولنا

الثورة الفكرية هي المستوى الفردي من التشريع، والثورة الثقافية هي المستوى الجماعي من التشريع.. وهنا كان ورد الكلام في أنه الفرد فكر ونفس.. الفكر الثائر.. الفكر الثائر هو الفكر القوي، الشجاع، النفّاذ، السلمي غير العنيف.. الفكر الثائر ما هو عنيف.
إذا كان التقى الفكر الثائر مع واقع الإنسان، يحصل التغيير.. وأول واقع الإنسان نفسه.. ولذلك الثورة الثقافية تغيير في الداخل، قبل ما يكون في تغيير في الخارج.. ومن أجل الثورة الفكرية، لابد من تجويد العبادة على أساس تحقيق (لا إله إلا الله).
لأنه زي ما قلنا، (لا إله إلا الله) توحيد، والتوحيد الخط الوسط بين النقيضين.. ولذلك (لا إله إلا الله) نفي وإثبات.. يعني كأنما الحقيقة لا هي دي، ولا هي دي.. بـ "لا"، "إلا".. (لا إله إلا الله).. كأنما بيقول الحقيقة لا هي دي، ولا هي دي.. لا هي النقيض دا، ولا هو النقيض دا، وإنما نقطة التقاء النقيضين، وده ما سُمي بالتوحيد، حتى عند كارل ماركس في الديالكتيك المشهور عنده.. وده ما سُمي عندنا نحن بالسراط المستقيم، (سراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين) في الوسط بالصورة دي.
هنا ده، لإحداث الثورة الفكرية، لابد من تحقيق (لا إله إلا الله) بمنهاج العبادة المجودة في تقليد قدوة التقليد - في تقليد النبي.. وهنا لأنه الإنسان لمّاً يوحّد، بيرى وحدة الوجود، زي ما قال عنها علي قبيلك، العنف ما بكون له مكان.. ونحن قلنا أنه الثورة الفكرية بتصحح المعادلة الماركسية لإحداث التغيير.. معادلة ماركس للتغيير تقول (القوة والعنف هما الوسيلتان الوحيدتان لإحداث أي تغيير في المجتمع).. الفكر الإسلامي يقول القوة ضرورية، لكن العنف غير ضروري، العنف مرحلي.. وأنت لمّاً تعرف أنك ماتصارعه هو الله، في مظاهر الوجود، أنت بتعرف أنك سيئ الأدب، ولذلك يجب أن تتخلّى عن الصراع، وتمشي للرضى.
و دي وحدة الوجود بصورتها دي.. الأشياء البتظهر لينا كأعداء، هي إرادة الله بتظهر لتربيتنا.. وإذًا العنف ما عنده مكانة هنا، عند المعرفة، لكنه في أول الطريق عنده.. ولذلك، مثلًا نحن عندنا الثورة الإسلامية الأولانية كانت عنيفة، بالمعنى اللي حكم الوقت أملاه، لكن الثورة الإسلامية الثانية، البتقوم على الثورة الفكرية، لا يمكن أن يكون فيها عنف، بل أن الفكر يلغي العنف، ويظل هو القوة.
الفكر هو القوة، والفكر الثائر ما هو عنيف.. في غاية التسامح وغاية سعة الأفق.. حتى فيه الناس المختلفين يتفقوا على أن يختلفوا، زي ما بنقول دائمًا.. مش معناه، الفكر القوي ما بيقول أنه الحق معاي أنا دائمًا، أنت إذا ما جئت معاي أنا بقتلك.. وده ذاته من ضعف الفكر.. لكن الفكر القوي هو اللي بيشوف أنك أنت تستحق أن تختلف في الرأي.. لغاية ما تشوف الحق.. إن بقى أنا ما قدرت وريتك الحق، دا ضعفي أنا ودا عجزي أنا، ما حقو أكون ضدك، أكون ضد نفسي.. ولذلك العنف يبطل طوالي في الثورة الفكرية.
والثورة الفكرية إحداثها بيقتضي أن يكون في حسن العبادة بالصورة اللي نحن قلناها.. أول الثورة الفكرية ما تظهر، تلتقي بواقعك، اللي هو نفسك تغيرها.. وتجي ثقافتك استقامة نفسك.. الاستقامة.. فالثقافة في الفكر الإسلامي مش محاصيل علمية في العقل، إنما سِيَر في النفس - أخلاق.. ودا تجسيد (لا إله إلا الله)، (إليه يصعد الكلم الطيب، والعمل الصالح يرفعه).. ودا الخلل لنبينا ليقول (الدين المعاملة)، ويقول: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ).. مش معارف، سيرة.. معرفتك تبقى سيرة، تبقى أخلاق و ده الدين عبرته بالناحية دي.. ودي الثقافة الحقيقية.. الإنسان المثقف هو الإنسان المستقيم، حسن السيرة، قوي الخلق، وكل الشمائل اللي يمكن أن تصفوها في الأخلاق، حتى أخلاق الله (تخلقوا بأخلاق الله إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).. هي دي، دي الثقافة.
بعدين أنت بصورتك دي، لمّاً يكون التقى فكرك بواقعك اللي بتعيش فيه من الناس ومن الأشياء الأخرى، الأحياء والأشياء، تغيّرها دائمًا لأحسن.. لأنك بتتوخّى حكمة الله، وإرادة الله في خلقه، البيُرضي الله في خلقه شنو؟ أنت الخليفة.. الخليفة لازم ينفذ إرادة المخلّفه، ما يرضي المخلّف، وإلا بتبقى خليفة فاشل.. والخلافة ما بيستحقها الإنسان، إلا إذا سار في درب الله ونفّذ ما يرضي الله في خلقه.
وبذلك يجي التغيير في المجتمع، يجي التغيير في البيئة كلها.. المثقف المسلم، المثقف على المستوى ده، مش بغيّر حياة الناس بس، مجتمع اشتراكي وديمقراطي، كل شيء في الوجود يضعه في موضعه، لأنه ما في شيء في الوجود الله خلقه عبث.. والمجتمعات البتكون في أرقى صورها، قائمة على الأحجار التحتها برضه.. قائمة على المادة غير العضوية.. ولذلك كل الوجود يمشي في سبيل التغيير والتحسين.. ودي الثقافة اللي بيكون عليها الاعتبار.
-